مجلة البعث الأسبوعية

في تقريرها الذي ستقدمه إلى مجلس حقوق الإنسان في أيلول 2023.. دوهان تجرّم الدول الغربية: “العقوبات الأحادية الطويلة الأمد تخنق الشعب السوري”

البعث الأسبوعية- علي اليوسف

أطلعت إلينا دوهان، أستاذ القانون الدولي، التي تحظى باحترام واسع، وزارت سورية لمدة 12 يوماً في نهاية تشرين الأول الماضي، وبداية تشرين الثاني الحالي من أجل التحقيق في تأثير العقوبات على سورية، المجتمع السوري عبر وسائل الإعلام المحلية على تقريرها المقرّر أن تقدّمه في نسخته النهائية إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أيلول 2023، المعنون “العقوبات الأحادية الطويلة الأمد تخنق الشعب السوري”.

في تقريرها الأولي، رأت كبيرة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالعقوبات: إن الإجراءات القسرية الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا بشكل غير قانوني على سورية “شائنة”، وحذّرت من أنها “تخنق” ملايين المدنيين الأبرياء، وأن جميع السكان السوريين يعيشون في ظروف تهدّد حياتهم مع نقص حاد في مياه الشرب، والكهرباء، والوقود، والطعام، وهو بالتالي ما يعكس الأثر السلبي الهائل للعقوبات الأحادية الجانب التي لها تأثير مدمّر على السكان كلهم، وتأثير مدمّر في جميع فئات حقوق الإنسان تقريباً.

 

جرائم ضد الإنسانية

وركّزت الخبيرة الأممية على أن الإبقاء على العقوبات الأحادية الجانب في ظل الوضع الكارثي الحالي في سورية، الذي لا يزال يتدهور، قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، حتى بات هذا الحصار على غرار العصور الوسطى، حيث أدّت العقوبات إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، بالإضافة إلى أن العقوبات المفروضة حطّمت قدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات السكان، ولاسيما الفئات الأكثر ضعفاً، بعد أن ارتفعت الأسعار أكثر من 800٪ منذ عام 2019، وفُقدت مئات الآلاف من الوظائف، ومُنع استيراد المواد الغذائية، والأدوية، وقطع الغيار، والمواد الخام، والمواد اللازمة لاحتياجات البلاد والانتعاش الاقتصادي.

وبينما تدّعي الحكومات الغربية أن لديها استثناءاتٍ إنسانية في أنظمة العقوبات الخاصة بها، شدّدت الخبيرة الأممية على أن العقوبات الثانوية والإفراط في الامتثال من المؤسسات المالية الدولية يمنعان سورية من استيراد السلع الضرورية، بل جعلا الأمر صعباً للغاية على مؤسسات الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية الدولية، وغيرها من المنظمات للعمل في البلاد.

اليوم، يعاني أكثر من نصف السوريين من التراجع في الأمن الغذائي، كما أن 24٪ من السوريين بحاجة إلى رعاية صحية، و14.6٪ يعانون من أمراض متنوعة، كما منعت العقوبات الحكومة من إعادة بناء البنية التحتية المتضرّرة، وتسبّبت في نقص في الكهرباء، ومياه الشرب، ما أدّى إلى انقطاع التيار الكهربائي يومياً، بما في ذلك في المستشفيات، فضلاً عن تلوّث المياه، وحتى تفشّي الكثير من الأمراض.

وبسبب احتلال الجيش الأمريكي، ووكلائه للمناطق الغنية بالنفط في سورية، بلغ إنتاج الحكومة من النفط 10٪ فقط من مستويات ما قبل عام 2010، ومع العقوبات الغربية التي جعلت استيراد النفط الخام شبه مستحيل، فإن الشعب السوري يواجه نقصاً مزمناً في البنزين والوقود. وطالبت دوهان برفع العقوبات الأحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على سورية على الفور، مؤكدةً أنها غير قانونية بموجب القانون الدولي.

في السابق، قامت خبيرة الأمم المتحدة برحلة إلى فنزويلا، وذكرت أن العقوبات الغربية غير القانونية كانت لها آثار مدمّرة مماثلة على السكان المدنيين هناك، بينما حرمت الحكومة من 99٪ من إيراداتها.

 

حصار فعلي

ويلحظ التقرير أن معظم العقوبات المفروضة على سورية جاءت بعد أن شنّ الغرب حرباً بالوكالة ضدها في عام 2011، بينما، وحسب الخبيرة الأممية، وحدها واشنطن تفرض عقوبات على دمشق منذ عام 2004 لكن هذه العقوبات العدوانية توسّعت ضد سورية بين عامي 2011 – 2012 إلى حصار فعلي في عام 2019، مع الموافقة على ما يسمّى “قانون قيصر”، الذي يفرض عقوباتٍ ثانوية ضد الأشخاص غير الأمريكيين في أي مكان في العالم الذين يقدّمون الدعم سواء المادي أم التكنولوجي للحكومة السورية، أو الدخول في معاملات معها. وقد فرض كل من الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وسويسرا، وكندا، وأستراليا عقوباتٍ مماثلة، وصولاً إلى عدد من الدول العربية الخاضعة للسيادة الأمريكية.

وكجزء من رحلتها، التقت دوهان بممثلين ليس فقط من الحكومة السورية، ولكن أيضاً من منظمات المجتمع الأهلي، والمؤسسات المالية، والمجموعات الإنسانية، والشركات، والجامعات والهيئات الدينية، وكذلك مع كيانات الأمم المتحدة الأخرى العاملة في سورية.

كانت سورية تتمتع بمعدّلات نموّ جيدة للغاية قبل عام 2011، لكن الحرب الغربية بالوكالة أدّت إلى انكماش اقتصاد البلاد بأكثر من 90٪، كما قالت خبيرة الأمم المتحدة: “من عام 2000 إلى عام 2010، بلغ متوسط ​​النمو الاقتصادي في سورية أكثر من 5٪ سنوياً، وكان للنزاع اللاحق آثار كارثية على الاقتصاد مع إلحاق أضرار جسيمة وتدمير لقدرته الإنتاجية وأصوله وبنيته التحتية، فضلاً عن عمليات نزوح جماعي، وتدفقات للاجئين. وقد تفاقم هذا الضرر بفعل العقوبات الأحادية الشاملة المفروضة، ما أدّى إلى تباطؤ طويل الأمد في النشاط الاقتصادي مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 90٪”.

 

الهجوم الاقتصادي

بحلول عام 2018، انتصرت الحكومة السورية وحلفاؤها إلى حدّ كبير في الجانب العسكري للحرب، لذلك كثّف الغرب هجماته الاقتصادية على البلاد، ما دفعها إلى أزمة عميقة. وكتبت دوهان: “بعد عام 2018، أظهر الاقتصاد السوري بعض التحسّن مع معدلات نموّ إيجابية، وارتفاع مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكن تكثيف العقوبات الأحادية والقيود التجارية، والإفراط في الامتثال، والابتعاد عن المخاطر من الشركات والمؤسسات المالية الأجنبية، فضلاً عن عدم قدرة الدولة على استغلالها، حيث أدّى إلغاء العديد من الأصول الوطنية الاستراتيجية، والموارد الطبيعية وغيرها من الموارد الاقتصادية، إلى قطع جميع السبل المتبقية للانتعاش الاقتصادي”.

وفقاً للبيانات والتقارير التي تلقتها الخبيرة خلال زيارتها، فإن الاقتصاد رهينة أزمة اقتصادية طويلة الأمد مع تضخّم متزايد، وتخفيضات متكرّرة لقيمة العملة الوطنية، وكلّها تآكلت إلى مستوى الانقراض التام للقوة الشرائية للأسر، التي وجدت أنفسها في حالة طويلة من البقاء على قيد الحياة.

ومنذ عام 2019، ارتفعت الأسعار أكثر من 800٪، وفُقدت مئات الآلاف من الوظائف بسبب تدمير الصناعات، وخسارة التجارة الخارجية، وأيضاً بسبب جائحة  COVID-19حتى تفاقمت الأزمة بسبب العزلة المالية للبلاد، مع فرض عقوبات على البنك المركزي، وجميع المؤسسات المالية العامة، ما أدّى إلى منع المعاملات الخاصة بالواردات والصادرات، بما في ذلك المواد الغذائية، والمواد اللازمة للصادرات، وهو ما أثر في احتياجات سورية، والانتعاش الاقتصادي وتقييد تدفقات العملات الأجنبية.

كذلك منعت العقوبات الأحادية الحكومة من امتلاك الموارد اللازمة لصيانة، وتحسين البنية التحتية الرئيسية، ولإعادة بناء وتطوير المشاريع الحيوية لتلبية احتياجات السكان، ولاسيما في المناطق النائية والريفية. وسلطت الضوء على النقص في الكهرباء، ومياه الشرب بسبب تدمير المحطات، والبنية التحتية للتوزيع، وأيضاً بسبب عدم توفر وقود الديزل والغاز اللازمين لمحطات الطاقة الحرارية ومضخات المياه.

وتقول: إن انقطاع التيار الكهربائي متكرّر، بما في ذلك في دمشق، حيث تقوم بعض المحافظات بتوزيع الكهرباء لمدة 2-4 ساعات فقط يومياً، بينما تحاول الحكومة تزويد المستشفيات بـ10-11 ساعة يومياً، وذلك أن العقوبات الأحادية تمنع شراء قطع الغيار لمحطات الطاقة وشبكات التوزيع، مع إحجام الشركات الأجنبية عن التعامل مع الحكومة السورية، واستحالة سداد المدفوعات الدولية.

وبالمثل، بسبب العقوبات الغربية تم تدمير نظام المياه في سورية، كما أفادت دوهان: “تحدث تحديات مماثلة مع توزيع المياه للشرب والري، التي تراجعت بشكل خطير بسبب عدد المنشآت المتضررة، والآثار المباشرة للعقوبات الأحادية الجانب، وتطوير مشاريع الطاقة الكهرومائية في تركيا المجاورة التي تقيّد تدفق مياه نهر الفرات إلى الأراضي الزراعية السورية”.

 

القيود التجارية

تمنع القيود التجارية التي تفرضها العقوبات والامتثال المفرط للشركات الأجنبية شراء المعدات، وقطع الغيار اللازمة لإصلاح وصيانة، وتطوير شبكات إمدادات المياه، ما يؤدّي في بعض الأحيان إلى تلوّث المياه، وقد أدّى ذلك إلى تفشي الكثير من الأمراض على نطاق واسع، حيث تصل مياه الشرب إلى العديد من المنازل خلال ساعة أو ساعتين فقط كل بضعة أيام، وانخفض نصيب الفرد من إمدادات مياه الشرب. وفي الوقت الحالي، يمكن ري 20٪ فقط من الأراضي الزراعية في سورية.

تقول خبيرة الأمم المتحدة: “إن الاحتلال العسكري الأمريكي لحقول النفط السورية، إلى جانب العقوبات الغربية، تتسبّب في نقص مزمن في الوقود في البلاد. يبلغ إنتاج سورية من النفط الخام ومشتقاته أقل من 10٪ من مستويات ما قبل عام 2010، مع وجود حقول النفط الرئيسية خارج المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وبما أن المنتجات النفطية تخضع للعقوبات، فلا يمكن لسورية استيرادها، ما أدّى إلى نقص في التدفئة والنقل والصناعة”.

كذلك دمّرت العقوبات الغربية قطاع النقل العام في سورية، لأن الحكومة غير قادرة على استيراد قطع الغيار اللازمة لصيانة وإصلاح مركباتها. حتى لو لم يتم منع دمشق من استيراد التكنولوجيا، فلن تكون قادرة على دفع ثمنها لأن احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي السوري تم تجميدها -وبالتالي سرقتها فعلياً- من الحكومات الغربية.

 

القطاع الصحي

دمّرت العقوبات الغربية قطاع الصحة في سورية، وهنا تقول دوهان: “لقد تلقيت أيضاً رواياتٍ توضح كيف تؤثر العقوبات الأحادية الجانب في قدرات نظام الرعاية الصحية في سورية. على الرغم من أن الحكومة تعطي الأولوية لإمدادات الكهرباء للمستشفيات والمراكز الصحية، إلا أنها لا تزال تتلقى طاقة غير كافية، والباقي يتم توفيره من خلال محطات الديزل والمولدات. تتكرّر الاضطرابات، ما يؤثر في العمليات الطبية وعمل المعدات الطبية، مع عواقب وخيمة على المرضى”.

في بعض الحالات، أدّى عدم انتظام الطاقة الكهربائية إلى زيادة الأحمال مع آثار مدمّرة على المعدات الطبية الحساسة والمكلفة، التي لا يمكن شراء قطع غيار لها بسبب القيود التجارية والمالية، فضلاً عن تردّد الشركات الأوروبية والأمريكية في التسليم. ووثّقت الخبيرة الأممية القانونية أنه مع 14.6٪ من السكان السوريين الذين يعانون من أمراض مزمنة ونادرة، يقدّر أن 24٪ معاقون، ألاحظ، حسب ما تقول دوهان، بقلق التحدّيات والعقبات في شراء وتوصيل الأدوية المنقذة للحياة، مثل علاج السرطان، وغسيل الكلى، والتصلب، وضغط الدم والسكري، وكذلك التخدير، وتشخيص جميع أنواع السرطان وغيرها، بسبب انسحاب منتجي الأدوية الأجانب من سورية، وعدم القدرة على استيراد المواد الخام، والكواشف المخبرية للإنتاج الدوائي المحلي، بسبب الإفراط لدى الشركات في سياسات الامتثال و/ أو تقليل المخاطر لدى البنوك.

على الرغم من أن الأدوية والأجهزة الطبية لا تخضع للعقوبات من الناحية الفنية، إلا أن غموض عمليات الترخيص وتعقيدها، والخوف المستمر بين المنتجين والمورّدين، والقيود المفروضة على معالجة المدفوعات، والعقبات التي تعترض شحن هذه البضائع، جعلت الوصول إليها غير ممكن من الجهات المختصة.

كذلك أضرّت العقوبات الغربية بشكل خطير بنظام التعليم في سورية، حيث يقدّر اليوم أن 22٪ من الأطفال ليسوا في المدرسة، وبسبب نقص الوقود الناجم عن العقوبات، فإن 4٪ إلى 7٪ فقط من المدارس السورية لديها كهرباء وتدفئة في الشتاء، وأقل من 40٪ لديها مياه.

 

الخلاصة

خلصت دوهان إلى أن العقوبات الرئيسية الأحادية الجانب، والعقوبات الثانوية، والتهديدات بالعقوبات، وسياسات إزالة المخاطر، والإفراط في الامتثال للعقوبات أدّت جميعها إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في سورية، التي تأثرت بالفعل بـ12 عاماً من الصراع والنشاط الإرهابي، وتدمير البنية التحتية، وCOVID-19، والأزمة الاقتصادية المتزايدة في المنطقة، والملايين من النازحين واللاجئين.

وأضافت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة: إن العقوبات من جانب واحد لها أثر مدمّر على جميع فئات حقوق الإنسان تقريباً، بما في ذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحق في الصحة والغذاء والسكن اللائق، ومستوى معيشي لائق، والمياه النظيفة والصرف الصحي، والبيئة المواتية للوصول إلى الإنترنت والحياة.

يعيش جميع السكان في ظروف تهدّد حياتهم مع نقص حاد في مياه الشرب، ومياه الري، ومرافق الصرف الصحي، والكهرباء، ووقود الطهي، والتدفئة، والنقل، والزراعة، والغذاء، بما في ذلك حليب الأطفال، والمرافق الصحية، والمعدات الطبية والأدوية، ومرافق العمل والتعليم، ما يجعل البلاد شديدة الضعف، وتعتمد على المساعدة الإنسانية.