الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

النصوص.. ونقّادها

حسن حميد

أعرفُ أنّ الأدباء والكتّاب أصحاب التجارب الثقيلة في إبداعها وحضورها وجمالها، يقولون كلاماً رزيناً عن الأدباء والكتّاب الشبّان الطالعين، ليس لأنّهم هم الامتداد الطبيعي لتجاربهم، أو لأنّ بعضهم تقفّى دروبهم ومشى فيها، وإنما لأنّهم يرون فيهم المستقبل الذي حلموا به ولم تتح لهم الأيام والظروف أن يعيشوه أو يعرفوه، وأعرف أنّ بعض الآراء الصادرة عن الأدباء الكبار تصيبُ بشظاياها بعض الكتابات والتجارب الشبابية، لظهور بعض الهنات والثغرات هنا وهناك، في هذا النص أو في تلك التجربة، وعادةً، ما يتأثّر الأدباء الشبّان بما يقوله الأدباء الآباء، فإن كان القول طيّباً، طاروا فرحاً مثل الطيور وحلّقوا، وإن كان القول غير ذلك انكمشوا على أنفسهم، وعادوا إلى مراياهم الأدبية لينظروا فيها طلباً للتعديل، وبهذا فإنّ قول الأدباء أصحاب التجارب هو قول مهمّ، سواء أكان مادحاً أو قادحاً، لأنّ قولهم يصدر عن ذات عارفة، والجميل أنّ الأدباء الشبان يتفاعلون مع هذه الآراء بطيبة واحترام.

أقول هذا وأنا عائد لتوي من ندوة دارت حول النقد الأدبي، وقد امتدت الندوة إلى أكثر من ساعة ونصف الساعة. وقد سرّتني لأنّها كانت محتشدة بالآراء المختلفة والصريحة ما بين الطرفين، وقد بدت الهوة واسعة بينهما، ثم، وبعد الحوار الذي بدأ صاخباً، ثم صار هادئاً، ضاقت الهوة، وتقاربت آراء الطرفين من بعضها بعضاً، وكلّها دارت حول أمرين أساسيين: أولهما، ما هي جماليات النص الحديث، وثانيهما، ما هو دور الناقد الأدبي في تشخيص جمال الأدب من عدمه! والحق أنّ الآراء التي دارت حول جماليات النّص الأدبي كانت متقاربة، وهذا أمر طبيعي لأنّ الجميل لا اختلاف حوله، وإن وجد الاختلاف فهو اختلاف في الدرجة لا في الطبيعة، أما الآراء التي دارت حول النقد الأدبي وفاعليته من جهة، وحول الناقد الأدبي ودوره من جهة ثانية، فكانت آراء متضاربة لا تخلو من الانفعال والعصبية والغرور. لأنّ بعض الآراء قالت: ليس من الضروري أن يكون النقد الأدبي أصلاً، وبعضها قال: لا أهمية للنقد ما دام يرضى بدور التبعية والتقفي للنص الإبداعي، وبعضها قال: إنّ الشطط في آراء النقّاد أدّى إلى تواري تجارب أدبية كانت مهمّة جداً، لأنّ بعض الآراء النقدية طالتها بأذيات ما كانت تتحلّى بأيّ موضوعية.

وبعض التجارب ظهرت فعرفت الشهرة لأنّ آراء النقّاد قرّظتها بما لا تستحق، وهذا الأمر وذاك، كانا خاضعين لمزاج النقّاد لا لثقافتهم النقدية. وقد تجرّأ الأدباء الشبان الطالعون فذكروا تجارب أدبية في الشعر والقصة والمسرحية، فوصفوها بأنها ما كانت تستحق الذكر، لكن مزاج جماعة من النقاد تابعها وقال فيها مديحاً لا تستحقه، وحين توارى أصحاب هذه التجارب الأدبية، وانفرط عقد هؤلاء النقّاد كجماعة، بهت دورها وتلاشى تماماً،  مثلما ذكروا تجارب لأدباء سحقتهم آراء النقاد، بقوة المزاج، فلم يعرفوا طعوم الشهرة، وحين تواروا وتوارى النقاد، عاد إليهم الحضور، فعرفت تجاربهم الشهرة لأنّ فيها جماليات أراد نقّاد تلك الأيام تشويهها!.

والحقّ، أنّ الحوار الذي دار كان مهمّاً جداً، ولعلّ خلاصته تكمن في الآتي: إن  حضور الأدب ضرورة من ضرورات الحياة، والتفاعل مع الأحداث والحادثات ضرورة أيضاً، وإن في كلّ أدب، أيّاً كان عصره، القليل أو الكثير من الجمال، ومهمة الناقد الأدبي هو الكشف عنه وبيانه وتعرية ما ليس بجميل لإزالته وتحييده، وإن الموضوعية أو قل الإقناع في النص الأدبي أو النص النقدي، ضرورة من ضرورات وجودهما معاً، وعلى الأديب والناقد أيضاً، أن يتحلى كلّ منهما بالموضوعية، كي لا نعرف الندم حين نقلّل من أهمية نص أدبي جميل، فيتوارى ويختفي، أو حين نعلي من شأن نص وهو نص خديج فيعلو ويعوم من دون وجه حق.

والأمر الأكثر أهمية، هو هذا التلاقي الجميل ما بين شيوخ الأدب وشبانه، بالمعنى الزمني، واستماع كلّ منهما لآراء الآخر، لأنّ الحياة الأدبية، تزهو وتزدهر مثل شجرة تحفظ زهرها بأغصانها كما لو أنها قبضة يد واحدة!.

Hasanhamid55@yahoo.com