مجلة البعث الأسبوعية

نزار عيون السود حياة مترجم نقل أهم روائع الأدب المكتوب بلغة دوستويفسكي

جمان بركات

روى الكاتب والمترجم والأكاديمي السوري نزار عيون السود في إحدى لقاءاته حكايته مع الترجمةقائلاً: إنّها بدأَت حين كنت طالباً في المرحلة الثانوية،وترجمت قصيدةً بعنوان “من أجلك يا حبّي” للشاعر الفرنسي جاك بريفيير، ونشرتها في مجلّة “الخمائل” عام 1962.

ومِن الفرنسية التي كان مُحبّاً لشعرها، انتقل إلى اللغة الروسية التي ترجم منها، بعد نحو عقد من ذلك، كتاباً شكّل بدايته الفعلية في عالَم الترجمة الذي ترك فيه أكثر من ثلاثين كتاباً، كان ذلك بعد عودته من الاتحاد السوفييتي، حيث أنهى دراساته العليا في لينينغراد وموسكو وحصل على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي. أمّا الكتاب، فهو ” نقد علم الاجتماع البرجوازي المعاصر” لـ س. ي. بوبوف، وقدر صدر عام 1973، ولاقى نجاحاً كبيراً لدرجة أنّ الناشر أصدر منه ثلاث طبعات خلال سنتَين.

“لا شكّ في أنّ هذا النجاح شكّل بالنسبة لي حافزاً كبيراً”، مثلما قال عيون السود في اللقاء، وهكذا، استمرّ في الترجمة بوتيرة عاليةإلى أن فارق عالمنا منذ عدة أيام، ليكون أحد أهم المترجمين السوريين والعرب، الذين انشغلوا بنقل روائع من الأدب المكتوب بلغة دوستويفسكي إلى لغة الضاد.

الترجمة وعيون السود

قبل تقاعده، وخلال عمله في جامعة دمشق، في كليتي التربية والآداب، وفي أثناء عمله في الجامعات العربية الأخرى (في السودان وسلطنة عمان)، كان نزاريمارس الترجمة في أوقات فراغه، خاصةً أثناء العطلات والإجازات، فقد بدأ بممارسة الترجمة، بصورةٍ منهجيةٍ كهواية مفضلة، منذ عام 1973، أي بعد تخرجه من الجامعة في روسيا، وحصوله على ماجستير في العلوم التربوية بسنتين، وقبل حصوله على شهادة الدكتوراه عام 1983. وصدر له خلال هذه الفترة (10 سنوات) أكثر من عشرة كتب، إضافة إلى العديد من المقالات المترجَمة التي نشرتها الصحف والمجلات الأدبية والثقافية السورية والعربية.

بعد إنهاء دراسته العليا وحصوله على شهادة الدكتوراه في العلوم النفسية، نشر نزار عيون السود العديد من الكتب والمقالات المترجمة في المجلات والدوريات العربية، وبعد تقاعده من الجامعة والتدريس الجامعي الأكاديمي ركز على الترجمة، إضافة إلى عمله كمستشارٍ ثقافي في وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب لمدة 5 سنوات، وبعدها تفرغ للترجمة، وقد نشر ما يزيد على خمسين كتاباً مترجماً عن اللغة الروسية.

وكان يرى الترجمة أنها تلعب دوراً مهماً في مسار التثقيف الذاتي، وتنشيط المطالعة والقراءة، فعملية البحث عن كتب للترجمة تدفع المترجم إلى الاطلاع الواسع على الكثير من الكتب وقراءة كثير من الأدبيات بمختلف أجناسها.

 

ركز نزار عيون السود على كتُب علم الاجتماع وعلم النفس والنقد الأدبي، حيث صدرت له مجموعة كبيرة من الترجمات من بينها: “الاشتراكية والنزعة الإنسانية” (1974)، و”دراسات في الأدب والمسرح” (1976)، و”علم النفس الاجتماعي وقضايا الإعلام والدعاية” (1978)، و”دوستويفسكي: دراسات في أدبه وفكره” (1979)، و”مذهب التحليل النفسي والفلسفة الفرويدية الجديدة” (1981)، و”تاريخ الديالكتيك: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية” (1986)، و”علم نفس المعركة الحديثة” (1987)، و”التنويم المغناطيسي” (1996)، و”الإيروس والثقافة – فلسفة الحب والفن الأوروبي” (2010)، و”سيكولوجية العلاقات الأسرية(2016).

 

ومن ترجماته في الأدب: مسرحية “الخالدون” لـ فيكتور روزوف (1989)، وروايات “الحريق” لـ فالنتين راسبوتين (1989)، و”اللعبة” ليوري بونداريف (1990)، و”زمن مستعمل – نهاية الإنسان الأحمر” (2018) لسفيتلاناألكسييفيتش، و”الدبدوب المخطّط” لناستياكوفالنكوفا، و”السباحة حتى المغارة” لتاماراميخييفا (2020)، إضافةً إلى: “من الأدب الروسي الساخر (1993)، و”شخصية دوستويفسكي” (2017)، و”ليف تولستوي: الهروب من الجنّة” لبافل باسينسكي (2021). أمّا آخر ترجماته، فهي رواية “الكراسي الاثنا عشر” لـ يفغيني بتروف.

ونال عيون السود جائزة للترجمة والتفاهم الدولي في الدوحة عام 2019 عن كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي”، للكاتبة البيلاروسية الفائزة بجائزة “نوبل للأدب” في العام 2015، سفيتلاناألكسييفيتش.

اختلاف في الترجمات

رأى المترجم نزار عيون السود اختلافاً كبيراً بين الترجمة الأدبية عن الترجمة الفكرية، من حيث منهج الترجمة وطريقتها وأسلوبها،فالمترجم في الترجمة الأدبية عليه التقيّد بروح النص وجوّه النفسي والأدبي والأسلوبي، ومراعاة نفسية المؤلف/ الأديب بعيداً عن الترجمة الحَرفية والتقيّد الحرفيّ بالنص، بينما في الترجمة الفكرية على المترجم مراعاة الدقة التامة في نقل النص الذي يترجمه، والأفكار والمصطلحات العلمية والفلسفية بأمانة تامة، وبلغة عربية واضحة ودقيقة ومفهومة للقارئ العربي. وإذا كانت التعابير الأدبية والشعبية والاستعارات والمجازات والأمثال والأقوال المأثورة والأسلوب والخيال والأفكار الكامنة خلفها تشكّل موضع الاهتمام الأكبر في الترجمة الأدبية، فإن المذاهب والمدارس الفكرية والعلمية، والمصطلحات العلمية والصيَغ والمفاهيم الفكرية والفلسفية والعلمية تشكّل الهمّ الأكبر في ترجمة الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية.

اختيار العمل الأدبي

ثمة معايير كثيرة، تتعلق بموضوع العمل الأدبي، ومضمونه ومدى انسجامه مع الذائقة العربية ومع القارئ العربي، إضافةً إلى الجوانب الفكرية والثقافية لهذا العمل، وكان لدى نزار عيون السود المعيار الأهم أن يحوز هذا العمل على إعجاب المترجم وأن يروقه كقارئٍ بادئ ذي بدء. لأنّ العمل في الترجمة عملٌ يحتاج إلى جهدٍ كبير، ومن غير الممكن أن يبذل المترجم هذا الجهد في عملٍ لا يجد متعةً ولذةً أدبيةً في قراءته ومن ثمّ ترجمته، وأن تتشكّل لديه قناعةٌ بأنّ هذا العمل الأدبي سيلقى قبولاً واستحساناً وإعجاباً من القارئ العربي، وسيشكل إضافة إلى الثقافة الأدبية العربية، ومساهمة في إثراء المكتبة العربية.