مجلة البعث الأسبوعية

المحروقات تحاصر السوريين!! المشكلة بالإمدادات أم بدعم مستوردي البطاريات والأمبيرات؟

 البعث الأسبوعية – علي عبود

يقاسي ملايين السوريين هذه الأيام من ضغط وحصار غير مسبوق لحوامل الطاقة على مدار الساعة دون أن يخرج أي مسؤول في وزارتي النفط والكهرباء بتصريح متفائل يعدهم بأن الأزمة ستنفرج سواء في الأمد القريب أو البعيد!

وإذا كان فاحشو الثراء حلوا المشكلة عن طريق (البطاريات والألواح  الشمسية والأمبيرات، والسوق السوداء،) فإن محدودي الدخل وهم الأغلبية الساحقة من السوريين يعيشون على ماتوفره لهم وزارتي الكهرباء والنفط من كميات لاتكفي حتى حياة الزهد والتقشف!

المشهد اليوم فعلا بمنتهى السيريالية: ثلاث ساعات كهرباء يوميا منها ساعة تأتي في (عز النوم) و50 ليتر مازوت لاتكفي لمن حالفه الحظ واستلمها لأكثر من أسبوع، وأسطوانة غاز كل ثلاثة أشهر!!

أما البدائل التي كانت في السنوات الماضية رخيصة نسبيا كالحطب فإن أسعارها ارتفعت تدريجييا وبسرعة، وباتت حكرا على المقتدرين ماليا!

هل الأزمة مفتعلة؟

أمام هذا الواقع من حق كل مواطن التساؤل: هل أزمة المحروقات وحوامل الطاقة مفتعلة لصالح قلة من مستوردي تجهيزات الطاقة المتجددة المتنفذين جدا؟

تصريحات مسؤولي وزارتي النفط والكهرباء عن أهمية وجدوى الطاقات المتجددة، وتقديم التسهيلات والقروض المصرفية لمن يرغب من المقتدرين باقتنائها، يؤكد أن الحكومة ليست بوارد إيجاد الحلول الجذرية والدائمة لأزمة الطاقة، وإلا ماذا يعني عدم وجود الخطط ورصد الإعتمادات لها في الموازنة العامة للدولة؟

أكثر من ذلك، يلفتنا أن الطاقات البديلة التي يستوردها المتنفذون سيئة جداً، والهدف دفع زبائنها لاستبدالها خلال زمن قصير، والذريعة أن الأجهزة الجيدة ثمنها مرتفع جداً قياساً على دخول السوريين، وهي متاحة بكميات قليلة تكفي الأثرياء فقط!

أزمة الإمدادات متوقعة!

ومن تابع كلمة رئيس الحكومة المهندس حسين عرنوس أمام  مجلس الشعب يوم 16/9/2023 لم يتفاجأ بزيادة ساعات التقنين، فقد تحدث مطولا وبالتفصيل عن الكلف العالية التي تتحملها خزينة الدولة لتأمين المحروقات!

لقد خاطب رئيس الحكومة السوريين من خلال ممثليهم: هناك فاتورة إنفاق جارٍ كبيرة تضم (الرواتب والأجور، دعم المشتقات النفطية، دعم القطاع التعليمي والتربوي، دعم القطاع الصحي وغير ذلك)، والحكومة ملتزمة بتسديدها إلى أقصى حدٍّ ممكن)!

ونجزم أن قلة توقفت عند جملة (إلى أفصى حد ممكن) فهي تعني (تأمين المحروقات حسب الموارد المالية المتاحة)، وهذا التقنين في الكهرباء ومازوت التدفئة واسطوانات الغاز هو الترجمة الحرفية لـ (الحكومة ملتزمة بتسديد فاتورة المشتقات النفطية إلى أقصى حد ممكن)!

السؤال: هل قامت الحكومة بتأمين المشتقات النفطية فعلاً إلى أقص حد ممكن حسب الإعتمادات المرصدة لها في الموازنة العامة ؟

نتوقع أن وزارتي الكهرباء والنفط لديهما قناعة بأن الكم الهائل من أجهزة الطاقات البديلة، وانتشار اللواقط الشمسية في المناطق السكنية الراقية القريبة جداً من المؤسسات الحكومية توحي بأن مامن مشكلة ولا أزمة طاقة في البلد، وبالتالي من المنطقي بالنسبة لهما أن تتقلص الإعتمادات المخصصة لإمدادات المحروقات.

  تخفيض فاتورة الطاقة

ولعل إقبال المقتدرين على شراء البطاريات والمولدات وألواح الطاقة الشمسية، والإشتراك بالأمبيرات (بعد قوننتها ) هو الذي دفع برئيس الحكومة المهندس عرنوس للحديث عن فاتورة الطاقة أمام ممثلي مجلس الشعب فقد حرص عل القول من خلالهم لملايين السوريين (أن الفاتورة الشهرية التي يدفعها مصرف سورية المركزي لقطاع الطاقة تقارب 166 مليون دولار، دون الحديث عن التوريدات آجلة الدفع من الخطوط الائتمانية مع بعض الدول الصديقة، وهذا ما يعني عملياً دفع فاتورة شهرية تزيد على 2300 مليار ليرة في قطاع الطاقة فقط لا غير)..

بعد هذا الكلام الصريح والمباشر منذ أقل من ثلاثة أشهر من جهة، والتشجيع اليومي لمسؤولي وزارتي الكهرباء والنفط للمواطنين وللفعاليات التجارية والصناعية للإعتماد على بدائل حوامل الطاقة من جهة أخرى .. هل كنا ستنوقع تخفيض أم زيادة قاسية في ساعات تقنين الكهرباء، وتدني نسب توزيع مازوت التدفئة لكمية لاتكفي أساسا لأكثر من أسبوع؟

نعم، عندما يكشف رئيس الحكومة عن فاتورة توريدات 1.4 مليون طن من القمح يتوجب دفعها خلال أشهر وعن استيراد 50 ألف طن من الأسمدة بقيمة 25 مليون دولار وفواتير أخرى خاصة بالأدوية والغذاء، فهذا يؤكد أن فاتورة المشتقات النفطية لن تكفي حاجات السوريين، لذا عليهم بالبدائل سواء المتاحة أم البدائية جداً الرخيصة الثمن، أي كل مواطن يلجأ إلى البديل المناسب لدخله الشهري أو اليومي!!

إلى متى سيستمر التقنين القاسي؟

وبما ان لامفاجأت بزيادة ساعات التقنين التي وصلت في الأيام الماضية إلى 9 ساعات قطع وأقل من ساعة وصل فإن مامن مواطن إلا ويسأل: إلى متى سيستمر هذا التقنين القاسي؟

الملفت إن غالبية المواطنين المتأثرين بقسوة التقنين لايريدون تصديق مايصدر عن وزارتي النفط والكهرباء، فهما صريحتان جدا جدا.. وزارة النفط تعلنها منذ سنوات: نقوم بتزويد وزارة الكهرباء بالغاز حسب الإمدادات التي تردنا!

ووزارة الكهرباء تعلنها أيضا على مدار اليوم: نقوم بتوليد الكهرباء حسب الكميات التي تردنا من وزارة النفط!

وبما أن رئيس الحكومة أشار منذ أقل من ثلاثة أشهر إلى فاتورة النفط الباهظة، فهذا يعني أن على ملايين السوريين العاجزين عن شراء البطاريات والمازوت والغاز من السوق السوداء، أو الإشتراك بالأمبيرات،  أو شراء الحطب.. الخ، التأقلم مع ثلاث ساعات كهرباء في اليوم طيلة فصل الشتاء، وإذا حصلت استثناءات فلزمن قصير جداً، بل فليأملوا أن لا ينخفض الوصل إلى ساعتين فقط!

البدائل الفعالة.. مغيبة

وأمام هذه الفوضى لسوق تجهيزات الطاقة البديلة نسأل: لماذا لم تلجا الوزارات إلى حلول دائمة وفعالة باستخدام الطاقات المتجددة والمجربة في الدول الصديقة كالصين، حيث يمكن إقامة مجمعات فعالة للإستفادة من الطاقة الشمسية التي يمكنها تخزين الطاقة لاستخدامها ليلا ولأغراض متعددة كبديل عن الطاقات التقليدية.

ونجزم إن وزارة الكهرباء لديها دراسات حول التقنيات واللواقط عالية الدقة والهائلة لامتصاص الطاقة الشمسية وتخزينها لفترة طويلة.

أكثر من ذلك، أكدت غرفة صناعة حلب منذ أكثر من ثلاثة أعوام إن مايُنفق من مليارات على الأمبيرات في مدينتهم يكفي لإقامة محطة توليد ضخمة سنوياً!

الخلاصة:

سواء كانت أزمة الطاقة أو المحروقات سببها نقص الإمدادات أم هي مفتعلة لصالح قلة من مستوردي البطاريات والألواح الشمسية ومولدات الأمبيرات المتنفذين جداً ، فإن وزارة الكهرباء لم تعمل على إنجاز البدائل أسوة بما هو حاصل في الكثير من الدول، بل تركت الفوضى تسيطر على أسواق تجهيزات الطاقة البديلة لتتحول إلى معرض كبير لأسوأ ماتنجه شركات العالم!.