الصفحة الاخيرةحديث الصباحصحيفة البعث

أمشي.. مثل مجنون!

حسن حميد 

الآن، أمشي مثل مجنون، أريد أن أعرف، وأرى كلّ شيء هنا في غزة، قبل أن أنتهي، قبل أن تنفد قواي، أريد الرّحيل وأنا أحمل في صدري صور وكلام وحكايا أهل غزة قبل أن أموت، ها أنذا أرى كما يرى الفجرُ الدنيا من علوته الآبدة، أرى أمكنة غزة تجول وتركض وتنادي وتتداخل، الجنوب صار شمالاً، والغرب شرقاً، والبساتين صارت أرضاً محروثة، والشوارع غدت تلالاً من حصى وركام، والأعمدة تتسابق إلى أرض لم تملّ بعد، وعتبات الدور، والمصاطب، والأدراج، والزواريب، والأزقة.. داسها الحديد المحمّى فغارت حتى صارت عتمات راعبة، ألواح الزينكو والاسبست، وسقوف الخشب، والمداخن، وحبال الغسيل والنوافذ والأبواب صعدت إلى الفضاء، مثل طيور لترى ما تودّ أن تراه، والبيوت تمشي راجلة وراكبة لكأنها جنّت وهي تنادي: أهلي.. أهلي.

أمشي فأرى الناس، رغم الطائرات وصواريخها وقنابلها، ورغم الدخان وما ينشره من عماء، ورغم أصوات جنازير الدبابات والجرافات وما تنشره من خوف وهلع، وهم في نشور، حركة أجسادهم لكأنها الأشجار في مواجهة العاصفة، وأصواتهم تتعالى كي تخرج من غيبوبة التداخل والبهمة، هنا خلق يحفرون خندقاً طويلاً بجوار أشجار سرو عالية بأطوالها الزينة، وقربهم عربات جر، وحيوانات وتركتورات وسيارات شحن لها قاطرات طويلة واسعة كلّها صارت تلالاً من بياض لأنّ أهلهم الذين رحلوا التفّوا بالبياض؛ ها هم البادون المتجلون وسط دخان أسود كثيف تلفّهم روائح بارود مقيتة، إنهم يحفرون ويتمتمون وينشدون ويتذكرون ويروون!.

أمشي فأرى أناساً شاحبين، لكأنهم هم الغبار، يخرجون تباعاً من تحت السقوف السّاقطة، والجدران المتهاوية، وقطع الحديد والإسمنت والخشب المهروسة، يخرجون وبين أيديهم أجساد مهشّمة لشيوخ ونساء وأطفال حُملوا فوق الأغطية والبطانيات والحصر وقطع البلاستيك، والدماء تقطر من أجسادهم؛ كائنات بشرية أطبق الصمت عليها، شعورهم رماد، ووجوههم رماد، وثيابهم رماد، لا رهجة، ولا لون في وجوههم أو صدورهم، سوى أرجوان الدم! ها هم يهبطون من فوق تلال البيوت وهم ينشجون.. ليكسروا الصمت بهتافهم: الله أكبر، الله أكبر!.

وهنا، في القريب الداني مني يتقدّم عجوزان اثنان، رجل وامرأة وبين أيديهما أرغفة خبز الصّباح، وقد عادا بها مساءً، وقد رأى كلّ منهما ما رأى، البيوت وقد هوت فعانق بعضها بعضاً، والأطفال صاروا كتلاً من ثياب ودم وغبار، ها هما يتركان أرغفة الخبز تسقط من حضنيهما، ويهرولان وراء كلامهما المتداخل: البيت، أحمد، إبراهيم، خولة، الكتب…

وفي الفضاء.. لا طيور، ولا غيوم، فالكلام المتعالي يحلّق منادياً طالباً راجياً أن تهبط السماء قليلاً، فقط قليلاً لترى ما حلّ بالبيوت، وبالناس، وكيف صار الفقد والغياب والسؤال حكايات يتبادلها الناس بالإشارة، والصمت، والهمهمات المطفأة.

هنا يقف زوجان، أمام كومة رمادية هائلة، لا بريق فيها سوى التماعة غصون دالية راحت تتحرك بوهن، الكومة.. هي كلّ ما تبقى من البيت، وأهل البيت، فجأة يقول الزوج: ليست مشكلة..، المهم يطلع الفجر.

أمشي فأرى بهلول المخيّم يركب عود قصب، ويضجّ مثل هدير مطحنة، وينادي: الناس، أين الناس، الحقوا.. الدور عم تقع، الحقوا المدارس عم تحترق، الحقوا المقابر تسكّرت، وفجأة تلفّه لهبةُ نار هبطت عليه، فيقف قلبي، عفواً.. يقف عقلي مذهولاً، فأرى النار تنتهي، ويعمّ الدخان، ويتكاثر الرّماد، أما هو.. فذاب!.

أمشي فأرى الناس يتجمّعون مثل عرائش الكلخ، وأصواتهم تعرّش مثلهم تماماً، يتجمّعون قرب يافطة عريضة مكتوب عليها: فرن ياسين، ثم ها هم ينسلّون بهدوء، وفي أفواههم جملة واحدة يطلقونها بحزن له رنين: الطحين خلص! وأرى أقدامهم المتثاقلة تؤوب بهم ببطء شديد، إلى أين؟ لا أدري!.

أمشي، فيزيدني المطر النثيث بللاً، والطين الذي راح يتكاثر يزيدني عجزاً عن التقدّم السريع، ولكنني أمشي لأرى ما أرى قبل أن أموت!.

ضباب ثقيل أغلق دربي عليّ، فسدّه، وشلّ خطاي، ألعنه بصوت خافت كي لا يسمعني، وأمشي ثم أمشي وأمشي، لعلي مشيت كثيراً دون أن أرى شيئاً، الآن أسمع، أسمع فقط، والزنانة ما عدت أحسب لصوتها أيّ حساب، صار صوتها جزءاً مني، لكن هذه الانفجارات المهولة، وأصوات الصواريخ المارقة بسرعة عجيبة ترعبني، أسأل نفسي لماذا هذه الصواريخ سريعة جداً، يالها إنها مجنونة، لها أن تترك البيوت عامرة ساعة أخرى، ساعة أخرى فقط، ولها أن تترك الأطفال يلعبون ساعة أخرى، ولها أن تنتظر كي تُكمل الأمهات تمشيط شعور بناتهن وظفر جدائلهن في هذا  الصّباح الذي تأخر، لماذا هي سريعة على هذا النحو، فلا تنتظر هذه المرأة كي تتمّ كلامها لابنها، أسمعها تقول له: هات الحطب وتعال كي..! وفجأة يذوبان معاً!.

نعم ما زلت أمشي، ها أنذا، ارتطم بسيارة للهلال الأحمر، فأسأل: أين أنا؟ فيجيبني صوتٌ: هنا مشفى الشفاء، لعلّ صوتي كان عالياً. فقلت معتذراً: عفواً، صاحب الصوت يقول لي، وقد لفّني وإياه ضباب عتيم: أأنت جريح، فقلت: لا، قال: أتحمل جريحاً، قلت: لا! فصمت، وجلست، جلست على أيّ شيء لا أدري. المهمّ أنني جلست، كنت متعباً، وحين انقشع الضباب الثقيل، بعد حين، رأيت عربة جر تجاورني، وحصاناً ناحلاً، ورجلاً عجوزاً يلفّ رأسه بشماخ سواده داكن، سألته عن الوقت، فقال: ساعة، ويطلع الفجر. قلت: يا عم، لماذا يتجمّع كلّ هؤلاء الناس هنا، قال لي بهدوء: أرجوك يا عم، ابتعد قليلاً، أنت تجلس على جثة، قلت: وقد تنبّهت حواسي كلّها: جثة! قال: نعم، جثة. فعلاً ها هي معالم جثة، كانت تحتي تماماً، جثة لطفل، لعله في العاشرة، اعتذرت من الرجل العجوز، واعتذرت من الطفل الميت، لكنه لن يسمعني لأنّ الجثة بلا رأس، لهذا انحنيت على يده لأقبّلها معتذراً، لكني لم أجدها أيضاً، الجثة بلا يد، قلتُ لنفسي: ما دمت انحنيتُ وانحنيت فلأقبّل قدمه، لكنني لم أجدها أيضاً فالجثة بلا قدم، فبكيت، والرجل العجوز يهزّني مواسياً، فأقول له: يا عم، قل لي كيف سيمشي هذا الطفل على الصراط وهو بلا قدم، وكيف سيسمع حين يُنادى عليه، وهو بلا رأس. اقترب مني حوذي العربة العجوز، وهزّ كتفي، وقال: أهو ابنك؟ قلت: لا، قال: أهو أخوك؟ قلت: لا، قال: أليس معك ثمن لكفنه. قلت: معي.

لحظتئذ، انسحب الضباب الكثيف تماماً، وبدت الشمس.. قرصاً من ذهب راح يعلو ببطء ثم يعلو.. ويعلو.

Hasanhamid55@yahoo.com