ثقافة

مستحضراً ذاكرة الحركة التصحيحية المباركة الإعلامي محمد قطان:القائد التاريخي حافظ الأسد نقل سورية إلى موقع الريادة والحداثة.. وأفتخر أني أذعت بيان الحركة الأول

ينتمي الإعلامي محمد قطان إلى جيل آمن بالبعث انتماء وعقيدة أطفأ بنضاله حرائق اليأس التي امتدت إلى حياة المواطن السوري، انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1956، وكان لايزال طالباً، وأثناءها مارس العمل الصحفي في أكثر من صحيفة، ثم انتقل إلى العمل التلفزيوني الذي عشقه وشغف به، وخط نهجاً مختلفاً للإعلام عبر البرامج الكثيرة التي أعدها وقدمها، والتغطيات الإعلامية المباشرة لكثير من الأحداث والمناسبات، كما شغل أكثر من موقع إداري سواء في التلفزيون أم في مؤسسات أخرى، لكن لقب إعلامي ظل هو الأقرب إلى روحه، حيث شكلت تجربته الإعلامية رصيداً تستفاد منه الأجيال. وبمناسبة ذكرى الحركة التصحيحية المباركة، وكونه ألقى البيان الأول لها التقته “البعث” ليحدثنا عن مواكبته لبداياتها والظروف التي أدت إلى قيامها فتحدث قائلاً:
<< قبل الحركة التصحيحية كانت حالة من التوتر السياسي تسود البلاد وأنا كواحد من البعثيين القدامى كنت أعيش هذه الفترة، أنا وجميع البعثيين بما فيهم القائد الخالد حافظ الأسد حيث كانت كل الأجواء تشير إلى أنه لا بد من إجراء تصحيح لما كان يجري من أحداث في الحزب، وأصبح هناك تغيير بأشياء كثيرة وبالمسارات من خلال الآراء والطروحات التي كانت تجري في الاجتماعات الحزبية والمؤتمرات التي جرت قبل الحركة التصحيحية، وكان لا بد أن يجري تصحيح لمسار الحزب الذي كان قائد الدولة في تلك الفترة، وجاء الدستور فيما بعد هذه الفترة الزمنية لتصحيح المسار وجاءت على أثره الحركة التصحيحية التي قادها الرفيق المناضل حافظ الأسد، وكنا، نحن كبعثيين، تواقين للتصحيح وخاصة بعد أن وصل الشعب لمرحلة من الضيق الاجتماعي بشكل عام كغلاء السلع، وعشوائيات حصلت في تلك الفترة، فكان لابد أن يتغير هذا الجو في تلك الفترة. أذكر تماماً وأنا أعمل في التلفزيون كرئيس شعبة المذيعين، وشعبة التنفيذ والاستمرار، حضر إلينا بعض الضباط الكبار ليقدموا بياناً معيناً، وكان في فترة المساء ولم يكن عندها المدير متواجد فأخذت البيان وقرأته، ثم طلبت من أحد المذيعين أن يقرأه، لم يكن بعثياً، وأتذكر أنني لم أكن أرتدي ربطة عنق لأنه لم يكن لدي ظهور على الشاشة، فهمس المذيع في أذني قائلاً: “هذا تحول كبير، هذا انقلاب”، فأجبته هذا تصحيح، وما كان مني إلا أن استعرت ربطة عنقه وأقرأ البيان، فقرأته ثلاث مرات، وعندها اتصل المدير العام عطية الجودة – رحمه الله-، وكان صوته يتهدج وقال لي: ماذا تفعل قلت له أقرأ البيان، أجابني من أمرك قلت حزبنا، فقال لي المذيع، الذي تمنع، رجاء أعطني البيان لأقرأه ولو لمرة واحدة، وقرأه فعلاً.

إنجازات وتحولات
حينما بدأت الحركة التصحيحية بقيادة القائد الخالد حافظ الأسد أوجدت تغييرات جذرية وكانت بداية للمسار الذي أسس لبناء سورية الحديثة ووصل بها إلى مناحي متألقة، وعندها تأكدنا أن الحزب يأخذ مساره الصحيح الذي كنا نتمناه ونرجوه قبل الحركة التصحيحية، وأذكر وبكل فخر أن قراءتي  لهذا البيان واحدة من المواقف التي أعتز بها في حياتي. في الحقيقة، أفتخر بأني في يوم من الأيام ولأول مرة قرأت هذا البيان على التلفزيون السوري، شاهدتني ملايين الناس وعرفوا أن فلان قرأ البيان. وبدأت الحركة التصحيحية مسارها وأخذت خطوط جديدة في حياة الحزب والدولة، كنا نقول ونعتز بكلمة سورية البعث، ولم نكن نقولها هكذا لنختصر سورية بكلمة البعث أبداً بل لنقول أن لهذا الحزب بدايات الحقيقة جعل من سورية ألقاً كبيراً ومساراً عظيماً تبدى في مناحي الإصلاح لم تكن لترقى سورية إليها لولا هذا المسار، وبعدها دخلت الأحزاب الوطنية التقدمية، وتوجهت الحركة الإصلاحية في حركة التصحيح لتتويج المنظمات الشعبية والوقوف إلى جانبها ورعايتها من الشبيبة، والاتحاد النسائي والعمال، وكل المنظمات الشعبية والنقابات المهنية حيث كان لها دوراً بارزاً في تلك المرحلة. تمر هذه الذكرى وكأني أرى القائد الخالد يخطب، وأنا هنا أريد أن أنقل مشاعري الشخصية لهذا الحدث التاريخي الذي كنت واحداً من جنوده الصغار، وتدمع العين بهذه الأيام التي مهما عشت لن أنساها.
<< ويستذكر الإعلامي قطان الكثير من الإنجازات التي تحققت في ظل الحركة التصحيحية التي كانت قفزة نوعية في تاريخ سورية وتوقف عند الاحتفال بتحويل مجرى سد الفرات في 5/7/1973 والذي نقل على الهواء مباشرة فيقول: كنت حينها مديراً للتلفزيون، حيث ألقى الرئيس حافظ الأسد كلمة على الهواء من مدينة الطبقة التي يعيث فيها الإرهاب خراباً الآن، وقد هيأنا لهذا الاحتفال تهيئة إعلامية كبيرة، وبعدها قدمنا حفلاً فنياً شارك فيه فنانون سوريون وعرب.
ولاننسى.. الدور الذي أعطته الحركة للمرأة على كافة الأصعدة بدءاً من تكريم أمومتها وصولاً إلى المواقع التي تبوأتها في أكثر من مجال، وهناك أيضاً المعامل وحركة البناء وإنشاء الجامعات في كثير من المحافظات.. إنجازات كثيرة يضيق المجال عن ذكرها كلها.
<< أما التطورات التي طرأت على الإعلام في ظل الحركة، وانعكاس هذا التطور على الرسالة الإعلامية فتحدث عنها:
الإعلام ليس شاشة وأجهزة فقط، وإنما هو جنود موجودين ورجال قادرين على تطوير الجهاز الإعلامي الذي أخذ دوراً جديداً وبارزاً في كافة النواحي، لم يكن هناك برامج لكافة المنظمات الشعبية والنقابات المهنية فأصبح لها برامج تعكس من خلالها صورة المجتمع فكل منظمة تضم شريحة من شرائح المواطنين المختلفة فكانت تعكس المجتمع السوري من خلال تنظيم نقابي معين يدفع بمسيرة العمل النقابي باتجاه الأفضل وبالتالي يدفع مسيرة الوطن، وقد رعى الرئيس حافظ الأسد -رحمه الله- هذه المنظمات رعاية كاملة ووقف إلى جانبها لشعوره أنها هي الوطن، فالوطن برجاله وشرائحه كلها، كل خلق له مجال من خلال هذه المنظمات، وفيما بعد بدأ الناس يشعرون أن هناك قفزات نوعية أحدثت في سورية من خلال المسار الجديد للحركة التصحيحية المباركة، ويتهمني البعض أنني أقول ذلك كبعثي، لكن ما أؤكد عليه أن الصورة الواضحة والنيرة والخلاقة موجودة في كل منحى من مناحي الحياة، لكن ومن أسف أن هذه الحرب الكونية التي يتحدثون عنها اليوم أرادت أن تدمر ما بناه التصحيح، ومابنته أجيال بأيديها الفتية، ومع ذلك أقول: الوطن يبقى لأن كل من يؤمن بالوطن يقاتل ويناضل من أجله وهاهم منارتنا من شهدائنا الأبطال الذين دفعوا أرواحهم ثمناً ليبقى الوطن وتبقى تربته الغالية، وأنا متفائل جداً لأن سورية التي عرفناها كانت ومازالت كعبة للأمة العربية وستبقى، وهذه الغمامة السوداء ستزول وسيعود كل مواطن عربي سوري كما كان معتزاً بتراب أرضه، ويتطلع بكل أمل إلى علمه الخفاق المرفوع وبالتالي إلى دولته السورية التي كانت ومازالت كعبة لهذه الأمة العربية ومنارة لها.
<< ومابين الأمس واليوم يأخذنا الإعلامي قطان إلى رحاب ذكرى الحركة التصحيحية المباركة، التي وضعت سورية على طريق البناء الحقيقي ويستذكر تفاصيل أيام قضوها  في ظل هذه الحركة التي يستحضرها الآن بكثير من الحب فيقول:
الحقيقة اللبنات التي بنيت خلال وجود الحركة التصحيحية المباركة ستبقى راسخة، والإنسان الذي بنى والذي يريد أن تبقى سورية كما عرفناها موجود، وقد رأينا بأم أعيننا تدافع الكثيرين ممن ضحوا بدمائهم من أجلها، ومازالت تتردد في ذاكرتي أصوات الأمهات والآباء على شاشاتنا وحتى ميدانيا وهم يتحدثون بكل جرأة عن اعتزازهم بشهادة أبنائهم وعن استعدادهم للتضحية بمن تبقى ليحيا الوطن حراً كريماً هذا الشعور الوطني القومي النادر أكاد لا أراه إلا في سورية، أنا عشته طفلا وعشته يافعاً وفي مراحل الثانوية حيث كنت صحفياً بدأت العمل الصحفي والإذاعي في خمسينيات القرن الماضي، هذا الاندفاع الإيجابي الوطني الخلاق سوف يعود ثانية، ومن هذا المنطلق وهذه الرؤية أنا متفائل، من هؤلاء الناس الذين أراهم كل يوم يقدمون الغالي والرخيص من أجل أن يبقى الوطن، قد يكون هناك بعض مظاهر الفساد، وبعض مظاهر الخذلان لكنها قليلة لأن الركب الإيجابي الخيّر المعطاء أقوى وسيمر فوقها وسيجتازها لنصرة الوطن وكرامته.
ولأن الإعلام ارتقى برسالته وأهدافه في ظل الحركة التصحيحية فإن احتفاءه بذكرى هذه المناسبة الرائعة هي حالة من الوفاء والحب، لقائد هذه الحركة الخالد حافظ الأسد وتأكيد على الممارسات الصحيحة وثوابت هذه الحركة خاصة في الوقت الراهن الذي يعاني فيه بلدنا ما يعانيه من الإرهاب فيتوقف عند هذا المفصل قائلاً:
<< الإعلام بشكل عام في العالم العربي والغربي ارتقى بواسطة تقنيات الإعلام الحديثة، هذه التقنيات التي يستطيع أصحاب مليارات الدولارات في بعض الأقطار العربية التي تقدم الأضاليل والأكاذيب، لكن كما قلت الإعلام ليس أجهزة حديثة فقط، بل رجال يصنعون الإعلام ومن خلالهم يستطيع أن يحقق قفزاته النوعية، هم المبدعون والخلاقون. قد لا يكون لدينا هذه التقنيات الحديثة التي تمكننا من مجاراة بعض المحطات العربية لكن الإنسان لدينا فعّال ومنتج وبناء ومعطاء، وهو قادر من خلال هذا العطاء الذي نراه أن يمجد تاريخه ويعطي لحركاته السياسية الإيجابية مثل الحركة التصحيحية أبعادها بنفسه وفكره وقلمه وهذا كله لا علاقة له بالأجهزة، الحركة التصحيحية اليوم نحاول أن نراها بأعيننا كما الأمس تماماً كيف كانت، وأرى بتفاؤلي أنها أيضاً ستسمر والرئيس بشار الأسد يتابع هذا المسار وهذا الألق الذي لمع في الحركة التصحيحية لأن البشر والناس البعثيين والجبهة الوطنية التقدمية والأحزاب التي فتحت أبوابها الآن أستطيع القول أن ماكنّا نعيشه سابقاً ونراه ونتابعه قبل هذه المحنة القاسية التي نعيشها الآن أرى بوادره بدأت تشرق، بدأت تظهر، وبدأ التفاؤل يرتسم شيئاً فشيئاً، قد يكون بطيئاً لكنه موجود وأراه مستمراً أيضاً.
<< ويؤكد الإعلامي محمد قطان على أن مبادئ الحركة وثوابتها ستكون الرؤية الجديدة والمشرقة للمرحلة القادمة نحو أفق جديد فيؤكد أن ركائز الحركة التصحيحية التي نعرفها نحن مثمرة وبناءة وخلقت في تلك الفترة حركة للبناء والإنجاز، والثوابت التي يعيشها الإنسان المناضل الخير المعطاء في أعماقه لا يمكن أن تزول، هي ثوابت قائمة بنيت وارتقت في يوم من الأيام وسارت، اعتراها أحياناً بعض التراجع لكن أقول بأن السواعد القوية التي بنت هذه الرؤى السليمة قادرة الآن على الاستمرار ببناء سورية وعطائها وإشراقتها، هؤلاء الشباب المعطاءين الذين انضووا تحت منظمات خيرة معطاءة قادرة على أن تريهم الطريق السليم والقويم أن يعيدوا بناء سورية من جديد بقيادة الرئيس بشار ومساندة الأحزاب التقدمية والأحزاب الجديدة التي فتحت أبوابها لتقود وتشارك في هذا البناء، هذه السواعد المتراصة المتكاتفة لا يمكن لها إلا أن تعطي وتبني وأن تدفع بسورية قدماً إلى الأمام بإذن الله.
ويتابع: لنضع التفاؤل نصب أعيننا  ولنبحث عن نصف الكأس المليء ولا ننظر إلى النصف الفارغ، هذا التفاؤل وهذه النظرة تعيد الأمل من جديد بإشراقة سورية التي أحبوها، أنا أتمنى أن نصبر على بعض المعاناة ونتفاءل حتى لاتضيع سورية التي هي الأغلى وهذه الحرب لم يحدثها شعبنا أبداً هي خارجية ولولا أنها حرب كونية فعلاً لما صار ما صار، وأؤكد لك أن الفساد يُصحح والمسار يُصحح لكن لا يمكن أن ينأى الإنسان عن الوطن، ويبتعد عنه، ولا أن يفرط به ولا يمكن إلا أن يقف وينظر بكثير من التفاؤل إلى علمه الخفاق وأرضه الطهور، إلى هؤلاء الشهداء الذين يتقاطرون للدفاع عنه غير هيابين ولا وجلين. يومياً يستشهد الكثير من أجل أن يبقى هذا الوطن ويهرع الكثير ليتابعوا مسيرة هؤلاء الشهداء، وهذا ما يجعلني متفائلاً بالمستقبل وبعودة الأمان والهدوء والطمأنينة والبناء وهنا يحضرني سؤال وجهته في يوم من الأيام لأحد القادة الكبار -رحمه الله- الذين حاربوا من أجل استقلال سورية فقلت له لماذا اختارك زملاؤك قائداً للثورة السورية الكبرى فصمت قليلاً، وقاطعت صمته معيداً السؤال؟ فأجابني بحزم لأنني أنظر بعيداً.. بعيداً، فقلت وماذا ترى في هذا البعيد؟ قال: أرى الوطن، ربما اختاروني من أجل ذلك، ولأنهم وقفوا إلى جانبي ووقفت إلى جانبهم يداً واحدة لننقذ هذا الوطن ولنهرع لطرد الغاصب والمستعمر الفرنسي من أرضنا.

سلوى عباس