ثقافة

شجرة زيتون منسية

لم يزعجها إطالة الطريق إلى العمل للمرور بقرب شجرة زيتون صغيرة عمرها سنوات قليلة, كانت سعيدة وهي تراها تجتاز الصقيع والشتاء بعودها الصغير لتكبر, رغم أنها تقف وحيدة على قارعة طريق, ليس بجوارها سوى حشائش صغيرة تتجمع عند جذرها كأطفال يتمسكون بثوب أمهم ليتدفؤوا بها, رؤية الشجرة كل يوم بات عزاؤها عن تحية الصباح التي كانت تلقيها يومياً عند المرور بجانب بيته، الذي يبعد بيتين عن بيتها في نفس الحارة حيث كبرا معاً, حتى عندما التحق بالخدمة العسكرية لم تشعر بالوحدة كما شعرت بها الآن, فقد كانت تمر بجانب البيت وتقول صباح الخير,رغم معرفتها أن لاأحد هناك للإجابة على تحيتها, فتحية الصباح واجبة حتى وإن غاب فربما تقول له حجارة البيت أو ربما يحملها الهواء له,واجبة بحكم سنوات طويلة عرفته فيها جيداً,بعصبيته الشديدة وسخريته من كل شيء, وطموحه اللامحدود الذي جعله يسعى دائماً ليكون في المقدمة, فكان في كل شهادة يحصل عليها ودرجة يرتقي بها تشعر أنها لا تستطيع اللحاق به, وأن المسافة بينهما تتسع لدرجة مخيفة, فقررت الاكتفاء بأن يبقى في محيط نظرها فقط, فالمهم أن يبقى بخير, في إجازاته القليلة التي يعود بها إلى البيت من حرب ملعونة هي تحديه الأكبر, تفرح كطفلة عندما تتبادل معه كلمات قليلة ويرجف قلبها كطائر يحلق في السماء لأول مرة,وفرحتها تزداد عندما أحست في كل لقاء أن جزءاً من قناع الحرب يسقط ويستعيد وجهه الحقيقي,ليعود ويرتديه على خطوط النار الأولى فيمتلئ جوفها خوفاً يعبق بدعواتها ونذورها التي ملأت فيها مزارات الأولياء والكنائس والجوامع التي جابتها,حتى زارت ذات مرة راهب وطلبت منه وضع شمعة في بيت لحم لتحميه,نظر إليها الراهب بعدما سمع طلبها ووعدها بتلبيته وقال لها هواجس المحبين رسائل الرب أيضاً يا ابنتي, لم تكن تدرٍ أن هاجسها بات ظاهراً وأن قلبها مكشوف في العراء, فقد كان كل ما تراه أمامها في يقظتها أنه على كرسي متحرك يتراءى لها حزيناً يائساً,تعرف أن الموت لا يخيفه وتعلم علم اليقين أن رعبه الأكبر أن يقع في الأسر أو أن يصبح عاجزاً يتسول مساعدة الآخرين, فتهرع للصلاة أن يكون هاجسها وهم ومع الأيام بات لديها سؤال هل يذهب أم يكون على كرسي؟ هذا السؤال كاد يقتلها، خاصة عندما بدأت تلاحظ ابتسامة خفية في عينيه لم ترها من قبل, يومها بجانب أحد قبور الأنبياء خاطبت بهمس دامع يا ربي كل شيء إلا أن يحتاج أحداً, جزء من عقلها لم يكن يصدق كل هذا التخريف والجنون, ولكن يقيناً في روحها يؤكد لها أن هذا ليس جنوناً، أحست بالراحة بعد انتهاء الصلاة,راحة ساعدتها ذات يوم وهو يقول لها هل تعرفين أحس بذنب كبير اتجاهك, لم تذكر ماذا ردت عليه ولكنها شعرت بفظاعة ما أقدمت عليه عندما اختصرت المسافة بينهما عن المدى الذي حددته سابقاً,حاولت في الأيام اللاحقة أن تستعيد هذه المسافة وتبتعد, خاصة عندما لمحته يسير مع فتاة جميلة جدا ويبتسم بوجه مريح, ولكن قذيفة هاون سقطت بالقرب منه ونجا منها بأعجوبة إلا من شظايا أصابت قدميه,جعلت قلبها ينخلع ونسيت كل المسافات. وفي اليوم التالي زرعت زيتونة على قارعة الطريق لتكون سبيلاً لكل شيء حي نذراً لنجاته, بطريقة أو بأخرى لم تحاول أن تبتعد ولم تحاول أن تقترب المهم أن تطمئن عليه,ذات مرة قالت له أنها زرعت زيتونة لأجله، ضحك ساخراً وقال لها ستبقين طفلة غبية دائماً وسأجد طريقة لتبقي بجانبي, ابتسمت وأرادت أن تسأله كيف؟ لكن دخول جميلته عليهما قطع الحديث,ومن ابتسامة وجهه لرؤيتها عرفت أن كلامه مجاملة فابتعدت أكثر لتنجو بقلبها الذي تصدع كالفالق الصخري، وعندما سمعت عن موعد خطوبته أحست بجدران قلبها تتساقط على بعضها البعض ببطء,دون أن ترى نهاية لهذا الانهيار,عندما رأته على الباب وألقت تحية الصباح سألها أين أنت؟ لم أعد أراك؟ روت له عن انشغالاتها اليومية ومنها شجرة الزيتون فقال لها أية شجرة؟ فقالت ألا تذكرها فأجاب بالنفي, ابتسمت عندما أحست بدخان الحريق يتصاعد من بين ركام قلبها, وأيقنت أن شجرة الزيتون ستجتاز كل الصقيع وتمتلئ بالحياة.
نسيبة مطلق