مجلة البعث الأسبوعية

البحث العلمي والدراسات العليا.. هيكلية بلا طموح وإدارات متعددة وخطة غائبة!

“البعث الأسبوعية” ــ ابتسام المغربي

مع إطباق اليأس على معظم مفاصل العمل في نطاق البحث العلمي، والاستخفاف في التعامل مع هذا المحور الأساسي الذي نحن بأمس الاحتياج لدوره، نتساءل: كيف كنا؟ وإلى أين وصلنا؟ ولماذا هذا الاختلاف، حيث المسافة تتسع بين ما تغنى بوجوده من بحوث وعلوم وتقانة فيما على الأرض، وللأسف، نحن في الركب الآخير؟ ألا نمتلك المقومات البشرية؟ كيف ذلك، ولدينا منها الكثير الذي يبدع لمجرد دخوله مجال العمل والبحث!! هل تقوم جامعاتنا بدورها العلمي والريادي، بحكم أن الجامعات هي نواة البحث العلمي والتطوير الصناعي؟ ألا نحتاج للبحوث؟! أجل نحتاج! ولكن، هل تنفذ؟ للأسف لا! أما لماذا؟ فالسبب معاناة المعنيين الغيورين على البحث العلمي وافقاد هذا البحث للميزات المطلوبة وعدم تطبيق المعايير البحثية والابتعاد عن الأهداف.

 

نقص في المواد

الدكتور فاروق عبد الله قنديل، باحث وأستاذ درلسات عليا في كلية العلوم، يقول: لا توجد خطة متكاملة للبحث العلمي، فكل باحث يعمل في محتوى بحث بعيد عن الآخر، رغم أن هيئة البحث العلمي التي كانت تتبع لرئاسة مجلس الوزارء، وألحقت بوزارة التعليم العالي، كانت وجهت إلى كلية العلوم بتشكيل مجموعات من الأساتذة للعمل في محاور بحثية يستفاد منها في المجالات الصناعية، ولكن ورغم تشكيل المجموعات فإن كثراً يعملون بصورة مستقلة دون التزام بخطة متفق عليها، رغم احتياجنا إلى ذلك لرفد القطاع الصناعي والزراعي بالنتائج البحثية التي يحتاجها.

وحول معوقات العمل البحثي، يرى الدكتور فاروق أن رئاسة الجامعة كانت توفر ما يحتاجه الباحثون رغم ظروف الحرب الصعبة التي تمر بها البلاد، ولكن هناك الآن نقصاً شديداً في المواد الكيميائية الأساسية وفي الأجهزة الضرورية لتوصيف منتجات التفاعل حيث معظم هذه الأجهزة لا يعمل الآن، علاوة على أن إصلاحها يحتاج إلى وقت طويل وموافقات، ولذاك يتم أحياناً الاعتماد على أجهزة هيئة الطاقة الذرية رغم ارتفاع الأكلاف.. كل ذلك يترافق مع عدم نشر البحوث العلمية محلياً وعالمياً رغم وجود ما لا يقل عن150بحثاً، حول فعاليات بيولوجية ومضادات بكتيريا ومضادات أكسدة ومركبات صناعية، ما زالت حبيسة الأدراج ولم تعمل أية جهة على الاستفادة منها رغم أن معظمها يمكن الاستفادة منه في الصناعات الدوائية، وفي صناعات أخرى.. ويرى الدكتور فاروق أيضاً أن مشكلة فقدان المواد اثناء البحث، والاضطرار لتغيير مسار البحث، يستوجبان توفير المواد والأجهزة اللازمة، وهو ما يمكن تأمينه من ميزانية الجامعة المستقلة.. مع الأمل بفتح باب المكافآت للعاملين في البحث العلمي تشحيعاً لهم للإشراف على الطلاب وعلى استمرار عملية البحث العلمي وتطويرها.

 

تعديل التشريعات

الدكتور زهير جبور، الأستاذ في جامعة تشرين –  كلية الزراعة، أكد أنه لا يمكن بحث واقع الدراسات العليا والبحث العلمي بمعزل عن قضايا تتعلق بالأستاذ الجامعي وبالمنهج التعليمي وبالبنية التحتية للبحث العلمي، وتابع أن هذه البنود الثلاثة تحكمها جملة من التشريعات التي تقلل من سوية التفاعل بينها وتجعلها عائقاً في وجه تطوير الدراسات العليا وأهمها قانون التفرغ الجامعي الذي تم إفراغه من مضمونه وأصبح عبئاً على الأستاذ الجامعي بعد أن كانت الغاية منه توفير حياة كريمة له ليتفرغ للبحث العلمي.. ثم هناك النصوص الخاصىة بالبحث العلمي والواردة بقانون تنظيم الجامعات وآلية تزويد الجامعات بتجهيزات البحث العلمي.. وكل ذلك يتوج بنظام مكافآت الإشراف على الرسائل وضعف التعويضات ومساهمات أقل مردودية من المؤسسات المجتمعية الأخرى.. وكل ذلك يؤكد ضآلة الميزانية المخصصة للبحث العلمي والدراسات العليا، وأحياناً صرفها في بنود لا تمت للبحث العلمي بصلة..! إضافة إلى قصور المنهاج العلمي الذي يتعلم منه الباحثون الشباب، والذين يتلقون التعليم التلقيني مع غياب المحفزات والحوار والنقاش وغياب تعددية المصادر العلمية والمعرفية، إضافة إلى الأزمة البنيوية في المنهاج ذاته في مختلف الكليات العلمية وفي العلوم التطبيقية، ما يؤكد الحاجة الماسة لإدخال مقررات تواكب تطور العلوم ونشوء علوم جديدة، وقصور الكثير من المناهج عن مواكبة التطورات الحاصلة على مستوى العلوم.. يترافق كل ذلك أيضاً مع عدم إدخال مادة أسس البحث العلمي إلى المنهاج الجامعي، حيث يتخرج الطالب دون أن يعرف كيف يتعاطى مع المراجع والمصادر!!

 

تطوير الرؤية

وفق هذا الواقع، يرى الدكتور جبور أن أي خطة أو استراتيجية لتطوير الدراسات العليا يجب أن تنطلق من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالدراسات التي لا تتحول إلى تطبيق تبقى أسيرة الأرفف والمكتبات وتفقد أهميتها ومبرر وجودها؛ ونسجل للقطاع الخاص هنا دوره السلبي الذي يسير بعكس ما يجري في هذا الجانب عالمياً.. ومع التأكيد على غنى الجانب المعرفي المتوفر عبر النت إلا أن الأمر يتطلب رفع القدرة على استخدام المعلوماتية والجانب اللغوي ورفع سوية اتقان اللغة، مع ضرورة وجود إدارة علمية لإدارة البحث العلمي والدراسات العليا تتخفف من الروتين وتشجع كل ما يرفع قيمة البحث العلمي والتحفيز على المعرفة، وتدرك أهمية الخروج من الدور السلبي التي تلعبه الترقيات السهلة في تراجع الدراسات العليا وتراجع البحث العلمي الذي نحتاجه لتنمية معرفية وعلمية تلبي احتياجات المجتمع.

 

الجهود معلقة

الدكتور مجد الجمالي، رئيس هيئة البحث العلمي، يرى أن التوجه صحيح لكن المشكلة في التنفيذ، فالبحث يجب أن يحقق غاية، وله تطبيقاته، وهناك تخصص في البحث، ويجب على البحث أن يفيد المجتمع.. وتأتي أيضاً مسألة نشر البحث وهي قضية مهمة، فالبحث الذي لا ينشر يموت.. وللأسف معظم البحوث لا ينشر بسبب صعوبة النشر وعدم المعرفة بآلية الصياغة العلمية.. ومطلوب أيضاً تفرغ الأساتذة للبحث العلمي فهم لا يجدون أوقاتاً لذلك بسبب ارتباطاتهم بالجامعات الخاصة، كما يجب أن تكون محركات البحث في الجامعات مشتركة ومجانية، بحيث يمكن بسهولة الاطلاع عليها وتصنيف المناهج والنتائج المهمة.

تحتاج الهيئة – يقول الدكتور الجمالي – إلى قرارات إضافية لدفع مسيرة البحث العلمي التي يجب أن تبتعد عن الاستبداد الفكري، وإلى الخروج بمنتج، واستثمار مخرجات البحث العلمي، كما تحتاج إلى خطة توزع على الوزارات. كما يجب الرجوع إلى هيئة البحث العلمي عند إقرار أي مشروع يتعلق بالمجتمع.. مثلاً، على صعيد إعادة الإعمار، من مهام الهيئة إجراء بحث يتعلق بهذا الجانب والتخطيط حسب احتياج السوق، ونحاول تقريب وجهات النظر بين الحكومة وهيئة اليحوث، ولدينا ضعف بالمركز الوطني للإحصاء، بل وهناك مؤشرات خاطئة.

يؤكد الجمالي على أهمية العمل بهدوء والتشارك بالرؤى للوصول إلى نتائج مفيدة، ورغم أن مسار الطريق صعب لكن علينا أن نتحلى بالجراة في اتخاذ القرار، وأن يكون لدينا رؤية وعدم خلط أوراق، وبناء نظام جديد من البحث والخروج من سياسة الترتيق ووضع خطة بمنهجية ورؤى جديدة.

 

هيكلية وخطط ورقية

لدينا الهيكلية المكانية والإدارية ولكنها مكبلة تغيب الفاعلية عن أدائها.. فلماذا كبلنا هيئة البحوث بتبعيتها لوزارة التعليم بعد أن بدات تتلمس خطاها وتختط مسارها الخاص؟! غريب عدم تقييم الأثر والتركيز على الإنجاز والنتائج!! ولو راجعنا مسار البحث العلمي في الجامعة لوجدنا المسافة تتسع بين الدافع والرغبة بالبحث، والواقع الذي بات يختنق تحت عبء نقص المواد.. وللأسف، تحولت المخابر العظيمة إلى عبء بحثي بسبب عدم توفر المواد!! ورغم وجود مديرية للبحث العلمي في الجامعة إلا أن وجودها هيكلي فقط وإنجازها يقتصر على طباعة كتب بعناوين الأبحاث وكان هذا هو المطلوب!! وكان الأجدى توفير الأكلاف الطباعية. أما ما يصرف على المؤتمرات والجوائز فلم ينعكس بأي حال على البحث العلمي وتطويره وربطه باحتياج المجتمع وجعله بالأولوية في توجه عمل الجميع. ولو قارنا الصرفيات، وكيف كانت، بالنتائج وكيف كانت، وكيف صرنا، لوجدنا دوائر وموظفين في الجامعة وأموالاً تضيع على الجوانب النظرية فيما يغيب البحث العلمي الفعال والمفيد.. ونحن في الحصار، تبرز الحاجة إلى هذا العنوان.. أما تعاملنا مع البحث العلمي بنمطية وجمود فقد أبعده عن الخلق والإبداع والاكتشاف والرؤية، وأكد دور الإدارات الضعيفة في هذا التراجع..

فلنتعظ مما خسرنا، ولنركز على جوانب الإبداع والاختصاص وهي كثيرة، فالحاجة إلى تطويرها أكثر من ملحة!!