اقتصاد

من لا يقاوم الفساد يضع نفسه في قائمة المفسدين

منذ عقود خلت، لا بل من غابر الأزمان، والشكوى من الفساد قائمة في معظم المجتمعات، وتتفاقم بين حين وآخر في هذا المجتمع أو ذاك، بأشكال وممارسات متعددة، والجميع يُلقِي باللائمة على الدولة، أي على العاملين في هذه الإدارة أو تلك، ويغيب عن البال أن العاملين في الدولة، هم آباء أو أبناء أو إخوة أو جيران أو أقرباء كثير من هؤلاء الشاكين، الذين -أيضاً- قد يكون بعضهم من مرتكبي الفساد، بغض النظر عن حجم وكمية ونوعية الفساد المرتكب.
بعضهم يرى فساد غيره ولا يرى فساده، أو يتوهّم وربما يقتنع أنه لا يرتكب الفساد، أو أن فساده الصغير لا يستوجب الإثارة، قياساً إلى الفساد الكبير الذي يرتكبه آخرون، والغريب في الأمر أن بعض مرتكبي الفساد هم الأكثر حديثاً عنه، ويوهمون أنفسهم وغيرهم بأنهم ليسوا من مرتكبيه، في حين يعمد آخرون (لم يرتكبوا الفساد) إلى الصمت، وحجّة أحدهم تقول: لا جدوى من الكلام، وقد أجلب لنفسي الضرر بل ربما الأذى، ولا أريد أن أفتح خصومة مع أحد، ولكلٍّ ربٌّ يحاسبه غداً، ما يقلل من خطورة حجم الفساد المثار بين يدي الجهات الرقابية التي بعض عامليها من ممارسي الفساد، فيعمدون إلى تغطية الفساد المثار بين أيديهم، معتمدين على ندرة وضعف المحتجين فعلياً على الفساد، وبحجة أن كثيراً من قراراتهم يسقطها القضاء لاحقاً.
من الواجب ألا يغيب عن البال أن المجتمع الأهلي معنيّ جداً بمكافحة الفساد، إذ إن ممارسات الفساد ليست محصورة في الإدارات العامة، بل إن كثيراً من الإدارات الخاصة والأوساط الاجتماعية يغص بكثير من حالاته، حيث يكون بيِّناً بأحجام وأشكال متعدّدة، ما يشكل حالات من تكامل الفساد الإداري المجتمعي، الذي يزداد انتشاراً وخطورة، لذلك يجب التركيز على مقاومته من خلال المجتمع الأهلي، عبر مناهضة جميع الشرفاء له.
هؤلاء الشرفاء الذين يوجدون بكثرة بين الفاسدين وحَوْلهم، لو عملوا على مناهضتهم مباشرة، ولو بالكلمة، لما تمكّن الفاسدون من الاستمرار في فسادهم، فكيف إذا تمّت المناهضة بالشكوى الموثَّقة أو الممانعة الآنية المباشرة من خلال فضح سلوك الفاسد، أو منعه فعلياً من ممارسة فساده.
الشرفاء أكثر من الفاسدين (على الأقل كبار الفاسدين) بكثير، وعندما يعمل الشرفاء فرادى ومجتمعين على مناهضة الفاسدين الأقل عدداً، سيندحر الفاسدون سريعاً، ما يوجب العمل على الترويج لثقافة مجتمعية، تؤسِّس لتحقُّق هذه المناهضة الشعبية، برعاية وحماية السلطات الرسمية، التي عليها الوقوف إلى جانب كل نشاط شعبي يعمل على مقاومة الفساد.
لا جدال في أنه من الخطأ الفادح أن يعمد الشرفاء إلى إلقاء اللائمة على الدولة فقط، وبالتالي عليهم أن يأخذوا في الحسبان أن من لم يقاوم الفساد يشارك فيه، ويساهم في تجذيره بشكل أو بآخر.
ومن الجائز أن تتضمن قائمة المفسدين ملحقاً يتضمن أولئك الذين لم يقاوموا الفساد تحت أية حجة كانت، إذ من المتفق عليه أن الساكت على الحق شيطان أخرس، ومن يتردّد في ذلك، بحجة أنه يخشى من عواقب موقفه من السلطات الرسمية الفاسدة أو من النظرة المجتمعية المتعاطفة مع بعض المفسدين، عليه أن يدرك أنه ليس بمقدور هذه السلطات توقيف مئات الشرفاء المحتجين على الفساد، بل ستكون السلطات محرجة وستعمل على إيقاف عشرات المفسدين، وما قد يخشاه الشرفاء (آنياً) من نظرة مجتمعية سلبية ضيّقة من المفسدين ومن حاشيتهم، سينقلب سريعاً إلى نظرة مجتمعية مقدِّرة عالياً، من جميع الأشراف والمتضررين من ممارسات المفسدين، وعلى من يجبُن أو يقصِّر في مقاومة الفساد، ألا يتردّد في أن يصنِّف نفسه مع الجبناء أو المقصّرين، والجبن والتقصير نوعان من الفساد، وبالتالي يقال له: “لا تنهَ عن خلق وتأتيَ مثله …”.

عبد اللطيف عباس شعبان
عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية