ثقافة

تيسير السعدي.. وداعاً

غسان كلاس
قبيل أيام من رمضان المنصرم كانت زيارتي الأولى له لوحدي، بعد رحيل الصديق ياسر المالح.
لم يكن وضعه الصحي كما كان قبلا، فقد بدا – هذه المرة – نحيل الجسم اعترى وجهه بعض الشحوب. وهو الذي – أي وجهه يكر ويفرّ، كما يقول الدمشقيون، ولكنه – كعادته – تسبقه ابتسامته، وأناقته، ونزقه في بعض الأحيان.
تيسير السعدي أحد أبرز الكوميديين السوريين، وآخر من بقي من جيل المؤسسين، وأميز رواده، هو شيخ الفنانين، شيخ الكار، ذاكرة القرن العشرين كما وصفه كثيرون، هو الممثل ذو الأصوات السبعة، كما سّماه آخرون، والشامي العتيق العريق، الذي خلّف وراءه سبعاً وتسعين من السنين، ينبش في أعماق وجدانه وذاكرته وأرشيفه ليؤلف سِفراً صوتياً يحكي تاريخ قرن من الزمن يجمع فيه إلى الفن، بمعناه الواسع، الأدب والحدث والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصارة الأيام متفاعلة نابضة ليس في دمشق فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
يفيض من معلومات وأحداث شارك في صنعها أو تماهى معها، سواء في مجال الإذاعة أو المسرح أو التلفزيون، وحتى السينما… فتؤثر الصمت، ولا تجرؤ على مقاطعته، لتعيش حالة من التلقي الممتع والآسر، فتستزيده متمتعاً بتراجيعه وأدواره التي ما يزال يحفظها ويؤديها ببراعة وحيوية وحياة.

في العام 1945 غادر تيسير السعدي دمشق متوجهاً إلى القاهرة عبر فلسطين، بصحبة الفنانين التشكيليين نصير شورى وناظم الجعفري، وعاد من القاهرة في العام 1947 ليصوغ في سورية تجربته الخاصة التي حرص أن تكون متفردة ولها خصوصيتها، وكانت كذلك.

مثّل الراحل السعدي شخصيات (خيمة كركوز وعيواظ) بأصوات متنوعة مما كان يبعث الدهشة والإعجاب لدى المستمعين بهذا الفنان الشعبي العظيم.
تقول الأديبة سهام ترجمان في كتابها القيّم (يا مال الشام) والذي أفردت فيه فصلا للفنان تيسير السعدي:
(أخبرت ابن أختي عن الليالي التي أسهرها على آلة التسجيل ميتةً من الضحك أسمع الفنان تيسير السعدي وهو يمثل عدة أدوار بعدة أصوات للشخصيات الشهيرة المحبوبة كركوز وعيواظ، والحمار كُرُش، وشلبي مدلل، وأبو أركيلة، والفيلوني، وغيرهم بأداء فاق حد الروعة).
وتضيف: (في يوم  من أيام رمضان حمل ابن أختي، وهو الطفل، الردايو إلى ورشة التصليح، وطلب من معلم المحل أن يصلّح له الراديو اليوم بسرعة ! فسأله المعلم: لِمَ العجلة عمو؟ فقال: أريد أن أعود للبيت مع ضرب مدفع إفطار رمضان لأستمع إلى خيمة كركوز وعيواظ من إذاعة الشام للأستاذ تيسير السعدي)!
فوجئت بتأثير كركوز وعيواظ وتمكّنه من ذاكرة الجيل المتوسط من شباب الشام، فهو محفور في الذاكرة رغم فنون السينما والتلفزيون والمسرح. وهذه شهادة ووسام على صدر فنان الشعب تيسير السعدي بلهجته الشامية العامية الحلوة، وعلى تمكّنه من فنه الكوميدي. وما أجمل الاستماع إلى صوته وهو يتلاعب باللهجة وينتقل من صوت أجش إلى صوت طفل إلى صوت عجوز.
بدءاً من العام 1967، وعلى مدى عشرين عاماً، شكّل ورفيقة دربه صبا المحمودي ثنائياً فنياً عنوانه (صابر وصبرية) يسلّط الضوء على مشكلات وقضايا اجتماعية في قالب كوميدي ساخر تؤدي – من خلاله – (صبرية) دور المرأة الدمشقية المشاكسة. ويؤدي (صابر) دور الرجل – الزوج المغلوب على أمره الذي تستفزه برودة أعصاب زوجته وتصرفاتها.
رحل تيسير السعدي ( أبو عمر ) جسداً وبقي إرثاً وتاريخاً إبداعياً تتوارثه الأجيال.