ثقافة

قراءة فـي ديـوان/ على طريق النور/ للشاعرة منال يوسف

لاتبك أيها المطر فالريح سخرت لنا /عباءة مجد / يلبسها رجال الله /
أأنت نمسة خجولة الملامح /تخون أحزاني المترعات / وتخون الوطن؟! ص 3
في زمن تتزاحم وتتشابك الأصوات وقد تتشابه، ويتوه المتابع والقارئ دون أن يُعير انتباها أو يدلف في لهفات وتنوعات انفراداتها، وغابات اشكالياتها، حيث يصير من العسير والعذاب، وجودٌ لها أو الإمساك بِنصٍّ أو صوت متفرد بمعناه المشروع في زحمة الأجواء والمناخات السردية الشّعريَّةِ، كي تتلاقى في بقعة، تتراءى فيها المعاني، وشعريّة القصائد والصـــور الأجـد، والتكثيف الذي يُفضي إلـى حالات من المكابدة والمعاناة، ســخونة التجربة لــدى الشاعرة.
تقول الشاعرة منال يوسف: وأنا كالحمام / أخجل من الوقوف / على جدران المآذن / أخجل من سماء مُقمِرة لحروف /ص14 /  صورة مخجولة بالكآبة مروية بدموع الحزن، تتهيب كل مقدس حتى من قمرها المصادر بالنجوم التي تحيطه، أو تلفه كعباءة راعي الخراف الحذرة؟! فهو شاغلها، وثرياها ودنيا حياتها، وشاعرتنا ملوعة بالتشكيل الشعري، حيث الألوان تنداح كمطر خريفي بين وهاد أشــعارها في مجموعتها الشعرية “على طريق النور” والتي ترتاح على (ً73 ص) هاهي تقول: وتكتب لي / بدفاتر المطر الأشقر/ أهواك رغما عن الأحلام المُحرَّمة / أهواك في نهارات المُقل المخملية / أهوك قصائد مُقْمِرةً تستحم بعبير الله / ص20 هذا المطر الأشقر العاشق المتورط، هيمان وتجليات وانفراد أناني في ذاكرة الأمم اللقيطة في حواكير القداسة هاهي: / تبحث عن ضحكة المسيح / وفرحة البتول / أي عشق هذا / أعادني إلى بوابة العصر الجاهلي /  وأعاد لي مجـد الضحكات / ص22  تراجيديـا بألوان المعاناة فـي معجن عـذاباتها الهاربـة إلى أبواب الله والقديسين، تقرع، تستغيث وهل من خلاص لهذا الوأد الحضاري المصاب بلوثة الهلوسـة والجنون؟!
تقول: هاربة أنا / كل كتاباتي / أنجم تُقْتَلُ بسيوف الضَّجر / وفراشات تعربد بين أناملك / وتسألني إن كنت أحببتكَ / ص26
نتلامحُ في قصائد الشاعرة “منال يوسف” طغيان البساطة في تراكيب الصُّور، وتوليف المعاني المخبوءة في أعماق الأوانـي، لكنها وديعة تتوهم كل شيء في حياتها، ومازال السيف مسلط على  رقبة الأنثى، ومازال الذكر يفتل شواربه، لقد “ريَّح” هذا المجتمع من “زانية” هذا حسب مايؤمن به أو شريعة فتوى الشـيخ المبتور، المهووس “الأفْتَى” بغسل العار بطرق وحشية يندى لها جبين التاريخ؟!
تقول الشاعرة منال: / كل النهارات / تذبح طفولة أمنياتي / تذبح رعد الثواني الناعسات / شعرها حكايات يعشب بينها لاتِ حنيني / ص38
مشـكلة شاعرتنا أنها ســردية الجمل أحيانا، وإنشائية العبارات وقـد تصـل في بعض قصائدها إلى نصوص تتماهى في لـون القصِّ، مبعدة القصيدة مـن تجلياتها ومـن دهشتها واللا مألوف مـن المعانـي أو تكرار للعبارات المقولة، تحتشد السطور “الكلام” على البياض ولارفة بارقة لصورة لافتة، أو جديد لمعنى، أو تكثيف لفكرة، فالتكرار والسجع روضا صهيل الشعر في براريها الحالمة؟!
إن من يقرأ هذه المجموعة الشعرية لشاعرتنا “منال يوسف” يلحظ ويتلمس كيف وبأي شكل ووسيلة وثقافة، انفرجت أسارير الأنثى عندنا؟! وتخلصت من عفونة الماضي،  وتملصت من الضغوط أو بعضها ومن ثقافة الاستسلام وهاهي الآن تكتب وتقود السيارة ووو……. فالكتابة فعل من أفعال التعبير، والحرية والحنين، وإلى تأكيد الذات والانغماس في شرفات الحضارة ألسنا الآن “نحن” في قرية صغيرة اسمها العولمة؟!
“على طريق النور” شغل شعري ينحو إلى البساطة في كل شيء وأعتقد أن شاعرتنا كذلك، من اللواتي يشعرن أن كتابة “الشعر” ليس حصراً على الذكورة  فقط، فالأنثى شاعرة، عندنا وهناك المبدعات على مستوى سورية والعالم. وشاعرتنا رحبة الخيال وواقعية الهدف، ونموذج نصوصها في هذه المجموعة الشعرية، تتزيـا بغناها الموسيقي “الإيقاع” الداخلي المتحرر والبعيد عن الأربطة الجاهزة والتي تقيد حركة الإبداع صيرورة وسيرورة، فمن عشقها للألوان تقول منال: / دماء زرقاء / المطر الأزرق / المطر الأحمر / نهاري الأخضر / الليمون الأزرق / المواعيد الزرقاء / وأحيانا يتردد اسم “الفرات” بين سطورها؟!  وأخيراً تنتهي هذه القراءة بمقطع شعري جميل تقول: / وصلتني آخر الرسائل / وعرفت أن الهوى / ماهو إلا قيامات تائهة / وسلام مُقمِر/ في محراب العيون ساجد / ص 68 وصلتني آخر الرسائل وقرأتها وهذا آخر كلام للشاعرة ؟!
على طريق الحلم- شعر – للشاعرة منال يوسف- إصدار الهيئة العامة السورية للكتاب ودار البعث 2014
خضر عكاري