ثقافة

“لمّا استقبلني الماء” … الشعرية في ظلالها الداكنة “يا غريمتي الشمس لا تسلطي عليّ وحوش القيظ، فقط، كنت أنوي تبريد بهجتي القتيلة”.

افتتاح خلاب جعلته الشاعرة “لينا شدود” مقدمة منفلتة من عقال التسمية لمجموعتها الشعرية “لمّا استقبلني الماء” الصادر عن دار أرواد للطباعة والنشر.إلا أن غريمة الشمس سرعان ما تكشف عن هشاشة تلك المكابرة على الألم  لدى امرأة تعلن أنها لن تكشف رمادها، ثم وبضربة واحدة تسفحه على الورق “منذ قرون وحَذر الملامح يرافقني،كل ما أذكره أن هبوطي كان نادرا على هذه الأرض، ربما لأن خطيئتي كانت تسبقني”.
سرعان ما تلج لينا في تداعياتها الشعرية إلى: أنا والآن وهنا، “هي”: كإنسان يحاول بيأس اعتياد كل هذا الخراب الذي يبدو الثيمة الطاغية على قصائد المجموعة، إن كان باحتمالاته الفجائعية التي تصيغها “شدود” على شكل جمل ثقيل إيقاعها، وتنبض بتثاقل صورها الشعرية الكثيفة في المجموعة الآنفة الذكر أو بظهوره الواثق في العديد من القصائد التي فاح منها يأس أليم “ها أنا أسعى في عاصفة / وأتظاهر بالحنين/ ثيابي خفيفة ولا أشعر بالبرد. كأن ماضيك ينهشك/ لترمي بي في فراغ عكر. تحدثيني عن غضون القلب/ عن وحشة أشجار الغار”، و”هنا”: المدينة التي صار لها ثقوبا بينما الحب والحرب استحالا شعارات تخرج من تلك الثقوب، ذلك التشبيه القاسي لخروج “الحب والحروب” من ثقوب، وكأنه الطاعون وبدا بالتفشي. “مع أنني لم أمت بعد/ مازلت أعوم داخل موجة سوداء. تلك الأرض تمور بعذوبة قاطعة/ولو أنها تؤرخ لبرد قديم ، حتى غدا وشما حفرته عميقا النوايا/ بينما كنا نتمرغ في الدروب”.
أما “الآن” زمن الخطيئة المستمر، لا خطيئة الهبوط والتجليات، بل الخطيئة النتيجة، نتيجة هذا الهبوط الذي أثمر بشرا بدؤوا تاريخ بشريتهم كجد قتيل وجد مقتول لأحفاد ما زالوا إما قاتل أو قتيل.”صرنا نكافح بعضنا من الخوف/ هل ثمة فرق بين أن اسقط فيك أو تسقط فيّ؟!. اطمئنان جذورنا لعفنها/ سيعجل بانشطار الزرقة وتدفق المستحيل/ ربما لم يكن جائزا قتل الأفعى في الأسطورة/حتما سيعود التهام الطرائد نيئة/ بلعنات لا تفنى”.
تكتب “لينا” الشعر بإحساسها الرهيف كأنثى تمور في داخلها مشاعر متداخل ماءها، فالعذب منه جاء موشى برائحة ملح كثيفة، والمالح فيه تندفق بين تلاطماته تيارات عذوبة لغوية تحيل القسوة إلى مخمل ما زال محتفظا بلمعته رغم عتق قماشه “لا تتأخري أيتها النبوءة، أعرف تفاصيل الغيب في يدك،كم همتُ بك وهمت بي، حتى ارتبك المجاز وكسر إقفال اللغة”.
إلا أن إصرار الشاعرة على تركها قصيدتها في حال تشكلها الأول الذي انفعل عن جوانياتها و تمرد على ما يتنازعها من محاولات أخرى لتعبير بأدوات أخرى، بمعنى طغيان الحالة الشعرية البدائية أو الخام، دون مزيد عناية بنحت بعض الجمل التي جاءت زائدة عن الحاجة، أضاع فرصة جمل وصور شعرية بديعة بالخروج والوضوح، تقول لينا في القصيدة التي حملت المجموعة الشعرية اسمها “لمّا استقبلني الماء”: يا ربّة الوحي: لا تهدديني بالخيبة/في يومي هذا الأكثر تعاسة/ وجهي الملفوح بشمس باردة/ لا يقوى على أن يشهد مبارزة بيت ألمين/ لا تذكريني بالوعل الذي أتى ليموت عند النهر/ بل امنحيني ريشتك لأبدأ التعافي /في هذا الليل قليل الضياء”، يبدو كل الكلام الذي جاء بعد “مبارزة بين ألمين” ليثقل على هذا المقطع من القصيدة، الذي بدا رشيقا “يا ربة الوحي” وانتهى رشيقا أيضا “مبارزة بين ألمين، أما حضور “الوعل” في السياق فجاء نافرا عنه، وله إيحاء غير منسجم في جوهره مع البنية الشعرية لهذا المقطع، الأمر الذي ينسحب على المزاج العام للمجموعة الشعرية.
“لما استقبلني الماء” المجموعة الشعرية الفائزة بجائزة “ناجي نعمان للإبداع الشعري 2013، تذهب نحو إثقال اللغة بقيود الحالة التي تحياها شاعرتنا في انعكاس كل ذلك الوجع الذي تمر به بلادها على دواخلها، حيث ينز الغياب والحسرة والحزن والخوف من قصائد المجموعة، بعد أن يلقي بظلال داكنة على المعاني التي أصابها الارتباك في الوصول لمراميها، والتفاوت البنيوي في المستوى الشعري بين قصيدة وأخرى، إلا أنها أي المجموعة، تظهر كوثيقة أليمة على وقائع لا يستطيع الشعر الهروب منها إلا إليها، حتى لو حاول أن يعاند هذا الواقع.
تمام علي بركات