ثقافة

لا غيم يقود العربة ضربات قوية لجناح يختبر فضاءه للمرة الأولى

يفتتح الشاعر السوري “زياد جبيلي” مجموعته الشعرية الأولى: “لا غيم يقود العربة” الصادرة حديثاً عن دار “ارواد” بقصيدة صادمة بعض الشيء لما فيها من خلخلة لمسلمات اجتماعية أعلت طويلاً شأن الماديات على حساب الحسيات، فالذين افتتن بهم “جبيلي” بحيواتهم وأحاديثهم وأحلامهم، هم الناس البسطاء، الناس الذين تمكنوا من توجيه دفة قصيدته لتكون صوبهم ومنهم وفيهم، ليعلن “جبيلي” عن تمرده على الوصايا الخالدة التي تروّج فيما تروّج له لقيم اجتماعية تصنعها المهنة على حساب قيم أخرى كالمهن التي يرتّبها الوجدان الجمعي للمجتمع من جهة منفعتها المادية، و”برستيجها” الاجتماعي الزائف، كالطب مثلاً، وإهمال روح النجار، أو الفلاح، وغيرها من المهن التي تمسك الحياة من تلابيبها فلا تقع.
أيضاً سيذهب الشاعر لكي يعلي من شأن الحب كحالة إنسانية خالصة، لا تخضع بدورها للوصايا التي تلقي على فرق العمر بين عاشقين مثلاً ألواناً قاتمة، بينما قد تكون حالة الحب التي تجمع بين جيلين متباعدين في الشريحة العمرية، هي الحالة الأكثر منطقية، والأكثر ديمومة، فحاجة الإنسان للحب لا تخضع دائماً لشروط القلب الصرفة والنزقة.
يقول الشاعر: لو لم أعجب بالميتين أكثر واكتفيت ببضع حقائق لا تهم عصفوراً/ كأن أكره المثاليين حقاً وأبصق في وجه الأذكياء وألعن جامعي الكتب/ ماذا لو أحب الصيد وأعشق امرأة في الخامسة والأربعين تدلّلني بـ : يا صغيري / أو أن أكون سائق تاكسي أتلصّص على العروات المفتوحة وأُقبّل المرآة.
يبتعد “زياد” في قصيدته عن النهايات المغلقة، أو النهايات التي يفرضها عادة مزاج القصيدة عموماً، تاركاً لحالته النفسية التي تنفعل عنها مفرداته وصوره الشعرية، أن تذهب حتى النهاية إلى ما نتج عن تلك الانفعالات الوجدانية والحسية، خصوصاً أن المخاطب في العديد من قصائد المجموعة هو غالباً في حكم الغائب.
“كان لابد أن تقرعي الجرس/ لم تلحظي الباب المبتسم/ والعتبة المنشغلة بحديث جانبي/ والكرسي الصغير / رشح صوتك من ثقوب أفترضها وتلمّست ضحكتك الطرية”.. ينتخب الشاعر القلق الوجودي كمسرب هادئ للولوج إلى جوانيات هادئة في شكلها المتوضع باطمئنان على الورق، إلا أنها تضج بصخب الصور الشعرية عالية المزاج، تلك التي يبوح بها “جبيلي” بمواطن تداعياته السردية الإنسانية، إنما بمنطق مغاير لما تخوض فيه القصيدة المنثورة بشكل عام، بدءاً من عنوان ديوانه: “لا غيم يقود العربة” الذي يحيل القارئ إلى التخلي عن شرط التخيل المسبق لما ستفضي إليه الدلالات اللفظية المتوهجة في قصائده، إن كان في الحضور الطاغي للتجليات الحسية الرهيفة حيناً، والقاسية حيناً آخر، والتي تحيك عوالمه المكشوفة هنا قصداً ودون مواربة، أو بالتغييب المقصود لانعكاس أخيلته على جدران المعنى الشعري، بما لهذه الأخيلة من صفات كسيرة في الوعي الجمعي لذاكرة الكتابة الشعرية في زمن الألم والخيبات.
“غريب آت من مدينة مرهقة / يحتمي بانكسار عينيه / وجسر لا يقيه من المطر ويمسح دربه بخرق يصنعها من ثيابه ويترك جوربه علامة على الطريق”.
يجمع “جبيلي” في مجموعته الشعرية الأولى بين جماليات قصيدة النثر الممثّلة بالصورة والتخيل والرمز والرؤية المكثفة وتوهج اللفظة وعمق الرؤيا وشفافيتها، وأدوات النثر الممثّلة في التحرر من أسر الوزن الشعري،  والانطلاق في آفاق التحرر اللفظي والتركيبي، وهو إذ يتعامل مع الشعر وفق منطق الصورة الملتقطة بعدسة الحنين حيناً، والشغف حيناً آخر، فإنه أيضاً يترك أشرعة مفرودة للتداعي الحر، والسقوط المقصود بلجة الانسياق خلف ما تفرضه طبيعة اللحظة الشعرية، المقبوض عليها بحنكة عالية ودراية جيدة بالأشغال اللغوية الصافية من شوائب الإسهابات غير المجدية، وهذا ما يحسب وبقوة لشاعر يبدأ أولى خطواته باليقين لا بالشك.
“ويصلح أن يكون الغريب غريبة/ يلتقيان عند إشارة مرور/ يتبادلان حييهما القديمين وموقف الباص عند الثامنة صباحاً/ وفراشات لا يطرن هنا/ يقفان أمام حشد السيارات غير معنيين بانهزام الضوء الأحمر ويمكن أن لا يلتقيا”.
لا تحضر الحياة بمناحيها في قصائد المجموعة كحلم بعيد المنال، أو كعالم مواز حتى لما تبتكره إيحاءاتها الشعرية من إشراقات خاصة بها، إشراقات لا تقيم وزناً للاكسسوارات المبهرجة، وما صارت تعنيه تلك البدائل متغيرة الدلالة من معيار شرطي ووحيد لتبدل الأمزجة الفكرية حيناً، والرمزية حيناً آخر، فقصائد “لا غيم يقود العربة” تعيش في دواخلها انفعالات لحظوية خصبة، تنبض علائقها الحية بزخم خاص بين ما تقترحه مفرداتها وتراكيبها اللغوية من صور هادئة، شاحبة وحقيقية، وبين ما يتوجّسه “جبيلي” في انفلات قصيدته من رتابة اليومي واستهلاكياته لكل ما يخصه كإنسان في المقام الأول، بعيداً عن آليات النحت والاشتغال على هندسة فراغ الأبيض المغري بشهية مفتوحة لنصوص منفلتة من ضوابط الرتابة التي ربما قد تمليها يوميات شاعر تمر الحرب من خلاله وفيه وليس من حوله.
“لا غيم يقود العربة” ارتحالات غنائية بين مقامات الحنين والحب والذاكرة، وعزف بيد مكتظة بالأصابع لمقطوعات شعرية وجدانية، تنهل من الذاتي لتعطي له أيضاً، ولكن بهدوء من ألقى مرساته في قلب العاصفة.
“رأيت عمراً يذوب في موقف الباص/ في المدرسة/ أمام واجهات المحلات/.
على السطح بعد أول حب/قبل الضغط على الزناد بين ما أنا عليه وما كنت أتمناه/ عبر محطات التلفاز/ خلال الوهم الذي أخيطه كل يوم/ رأيت العالم بالأبيض والأسود وتكلمت رمادياً.. لا أعرف أي الألوان أخيَر وأيها يجلب الشيطان”.
تمام علي بركات