ثقافة

المحاكمات العاطفية

رغم أن تجاربنا هي التي تتحكمُ في رؤيتنا للمبادئ والأهداف التي تقوم الحياة عليها، إلا أنّهُ لا يمكننا أنْ ننظرَ إلى مفاهيمَ الحياةِ من زاويةِ تجاربنا الخاصّة، وإذا فعلنا فإننا نبتعدُ كثيراً عن عذرية هذا المفهوم أو ذاك، ونحاكمُ المبدأ تبعاً لأحاسيسنا لا لتفكيرنا ومنطقنا!.
الخيرُ والشّر, العدلُ والظّلم, القوّةُ والضّعف, الحبّ والكره, وكثيرُ غيرها من المصطلحات والمبادئ والتناقضات، لا بدّ أن نتعامل معها في مسار حياتنا، لا يمكن أن نعزل أنفسنا عنها وإن حاولنا فإن هذه المفاهيم تقتحم حياتنا بشكل قدريّ دائماً.
كلّ يومٍ نتعرضُ لمواقفَ شتّى، وفي كل موقفٍ نشعرُ بشعورٍ ما، عند قراءةِ خبرٍ ربما نبكي وعند رؤيةِ طفلٍ يلعبُ ربما نضحك وعند غيرتنا ربما نحقد، وعند قسوتنا ربما نؤذي، وفي خضمّ إحدى تلك المشاعر نحكمُ أحياناً على حدثٍ ما أو موقفٍ ما أو قضيّة، فيخرجُ حُكمُنا مَشوباً ببقايا غضبنا أو فرحنا أو حزننا أو لامبالاتنا أحياناً. وربّما نعيش سنين طويلةً أسرى إحدى تلك الأحاسيس أو حتى مجموعةً منها، كالشعور بالظّلمِ مثلاً: ظلمٌ في العمل، ظلمٌ في البيت، ظلمٌ في الفُرص المتاحةِ في الحياة. فهل نستطيعُ التجرّدَ من شعورنا حين نبدي رأياً ما في قضيّةٍ مشابهةٍ لقضيتنا ومظلوميّتها؟
يُقال دوماً أننا في هذا الشّرقِ، شعوبٌ عاطفيّة، وهذا فيه شيءٌ من الحقيقة لا كلّها، عاطفتُنا ميزةٌ تفتقدُها طريقةُ الحياةِ الغربيّةِ في البلدان الصّناعية المتطورة، لكنّها ميزةٌ فقط حين نؤطّرها بإطار العائلةِ والأصدقاء والأحبّة، لا أن نحوّلَها إلى شعورٍ يدخلُ في كلّ تفاصيلِ حياتنا وقراراتنا وتوجّهاتنا حتّى السياسيةِ منها والوطنية.
ليسَ بالضّرورةِ أنْ نحبّ أو نكره، ونبقى محاصرينَ بين حدّي هذين الاحتمالين. لماذا يجبُ علينا أن نقيّمَ الأشخاصَ حسب حبّنا وكرهنا لهم؟ لماذا لا ننظرُ إلى أفعالهم ومساهماتهم وخبراتهم وما يقدّمونَ وما يُنتجون، بدلَ أن نحبّهم لمظهرهم الخارجي أو نكرههم لتصريحٍ ما نُقلَ عن ألسنتهم يوماً؟.
لستُ من مروّجي طريقة العيش الغربيّة، ولا أحبّ أن نتجرّد كأناسٍ من مشاعرنا الإنسانيّة التي ميّزتنا كما العقل عن باقي الكائنات، لكنّني أدعو للنّظرِ إلى القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية بعين العقل والمنطق، ومحاولةِ نسيانِ العاطفةِ في قراراتنا المصيرية كي لا نقعَ في مطبّ المحاباةِ والمجاملةِ والبُعدِ عن الهدفِ المنشود، وهنا تبرزُ قضيّةُ التخوينِ مثلاً، وكم نعيشُ أشنعَ فصولَها في هذه الفترةِ، نخوّنُ كيفما نشاء انطلاقاً من مشاعرنا معظم الأحيان، كلمةٌ هنا لم تُعجبنا، موقفٌ مُلتبسٌ هناك، تصريحٌ غامضٌ من شخصٍ نحبّهُ أو نكرهه (كعادةِ أحاسيسنا)، كلمةُ حقّ ربّما في غير وقتِها ومكانِها، نتلقّفُ أوّل إحساسٍ ينتابُنا ونبدأ بإطلاقِ الأحكام تبعاً لهذا الإحساسِ، وتساعدنا وسائل التواصل الاجتماعي فننشرُ ما صدّقنا أنّه حقيقة وهو مجرّد غضبٍ ربما، والكلّ يقرأ غضبنا والبعضُ يحسّ به ويصدّقه، وتمشي الصّفةُ على الكثيرِ من الألسنة والصّفحات، حتّى يصبحَ الشعورُ الأول حكايةً تُروى، وحقيقةً عند البعضِ، غير قابلةٍ للنّقاش!.
سهلٌ علينا في زمن كهذا أن نخوّنَ، وأن نشتم دونَ أن نحاولَ التّفكيرَ بمنطقٍ حول ظروفِ هذا الشخص المستهدف وفهم ظروف كلماته، أو أن نحاول استيعابَ ألمهِ ربّما من واقعٍ مرّ، نستعجلُ بالحُكمِ لأننا نعيشُ حالةَ ألمٍ وغضبٍ ويأس، فيخرجُ حكمُنا متسرّعاً وربما ظالماً أحياناً ومؤذياً جداً!.
هناك الكثيرُ من الأمثلة الأخرى في حياتنا اليوميةِ البسيطة، كأن نرى مشهداً ما في الشّارع عن بُعد، رجلٌ يتسوّلُ من المارّةِ ما استطاعَ إليهِ سبيلاً، ربّما نفكّرُ أنّهُ مخادعٌ ولا يشكو من ألمٍ في ساقهِ كما يدّعي فنعنّفهُ وربّما نشتمه، وربّما نتعاطفُ مع وضعهِ ونمنحهُ ما تيسّر لنا من نقود، وربما نتجاهلهُ تماماً كأنه غير موجود.
حالاتنا النّفسية والشعورية هي التي تتحكّمُ بتصرفاتنا في أغلب الأحيان، وإن كنتُ أعترفُ أن حالاتٍ معيّنة لا يمكنُ لنا فيها إلا أن نتّبعَ أحاسيسنا الأولى الصادقة، والقدرةُ على الفصلِ بين العقلِ والقلب تبعاً للموقف هي ما أتحدّثُ عنهُ هنا، وهي مشكلتنا العامةُ في كل مجتمعاتنا الصّغيرةِ والكبيرة … نأخذهما معاً إلى أحداثنا اليوميةِ منها والمصيرية، لا نستطيعُ في المجمل أن نزيحَ شعورنا جانباً حين نحتاج العقل فقط.
تجاربنا في الحياة تصقلُ قدرتَنا على تجنّبِ الوقوع في الأخطاءِ السابقة، وهذا لا بدّ أن ينطبقَ على موضوعنا هذا، بأن نبني على تراكم هذه التجارب، ونصل إلى محاولةِ تحييدِ المشاعرِ عن قراراتنا وأحكامنا وقراءاتنا للأحداثِ والمتغيّرات والشخصيات والظروف!.
وسام محمد ونوس