ثقافة

في محاضرته: “مسائل نقدية في القصيدة الحديثة” أحمد هلال: المنتظر في مشهد القصيدة المعاصرة هم عرابو الاختلاف

أثارت الأفكار التي طرحها الناقد أحمد هلال والمتعلقة بإشكاليات النقد في القصيدة الحديثة اهتمام من حضروا لقاء الأربعاء الذي تقيمه الأمانة العامة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين بإدارة الكاتب أحمد جميل الحسن، فقد عكست طروحات هلال جهداً  شخصياً واضحاً، وشكلت مادة دسمة للنقاش الذي استمر بعد انتهاء المحاضرة، حيث أدلى كل من حضر بدلوه من خلال سؤال أو وجهة نظر موافقة أو مخالفة، بداية اعتبر هلال أن قضية القصيدة الحديثة  من القضايا المفتوحة والقابلة للنقاش وما يبرر ذلك هو العدد الكبير من القصائد التي تنشر تحت مسمى حداثة – حداثية وهي تمثل السمة الطاغية على ما ينشر اليوم في الدوريات والصحف.
وفي هذا الإطار أكد هلال أهمية تصويب كلمة حداثة وتحديد المقصود منها بدقة، هل هي معطى ناجز أم جاهز وهل هي الجديد فحسب أم تمثل الانفلات من المعايير أو المنظومة الشعرية العربية أو تجاوزها. بهذا المعنى تحمل الحداثة التباساً معرفياً كبيراً وهي ترجمة غير دقيقة فاض بها الدرس النقدي العربي طويلاً، وحتى اللحظة لم يصحح هذا المفهوم كما يجب، وبالدخول في التفاصيل طرح هلال سؤالاً مفاده: هل استطاعت الاوركسترا العبقرية التي تضم عدداً كبيراً من العازفين المهرة والتي تألقت بعد الحرب العالمية الثانية وكان اسمها حركة الشعر الحديث أن تضبط أوتارها وتبدأ في بناء السيمفونية الشعرية العربية المعاصرة. هذا السؤال طرحه هلال كما يقول كمدخل ليقارب القصيدة الحديثة ليس عبر صيرورتها وتحولاتها ومآزقها بعين النقد، بل لنرى أن ذلك التعبير عن حركة الوجدان العربي لطالما اتهم الشعر الحديث بتدمير القيم الأصيلة للشعر العربي، وقد قيل إن الشعر الجديد لم يؤسس دولته على الحجج النقدية التي باركت خطواته الأولى، بل على حصاد ناضج من التجارب الشعرية العربية الممتازة. وهكذا وجدنا ارتباط موقف الكثيرين من النقاد بالتأييد لهذا الشعر وثمة من حمّله قصوره النقدي في ممارسات لا نقدية أحالت إلى اضطراب في صفوف الشعراء الذين كتبوا في أنواع شعرية مازال الجدل فيها محتدماً، لاسيما قصيدة النثر وربما ذلك ما يفسر إلى حد كبير غموض الكثير من القصائد وذهاب بعضها إلى الصمت. والأولى هنا كما يؤكد هلال العودة إلى تأصيل المفاهيم فيما يتعلق بالحداثة كسمة واصطلاح ومفهوم من الحداثة المعطلة إلى الحداثة المعللة، وهذا يفضي إلى القول بأن المصطلح هو أصلاً غربي وكلمة حداثة هي ترجمة غير دقيقة والصحيح حداثية. وبالحديث عن القصيدة المعاصرة ومراحلها الإحيائية إلى ما بعد السوريالية انطلاقاً من قصائد الأربعينيات إلى السبعينيات، وهي من حملت قيمة ظرفية في حيزها التاريخي، لماذا لم تستطع تلك القصائد الصمود ليندثر معظمها تحت وطأة التجريب المعطل على سبيل المثال بعد الكلاسيكية وحتى اليوم، في تعاقبها التاريخي وحساسياتها الشعرية حيث ظهرت بوضوح في القصيدة العربية، والملاحظ أن الطروحات النقدية والنظرية في الحداثة لاسيما على أيدي النقاد والشعراء هي بمثابة شذرات منزوعة من مناخاتها لتستنبت في غير أرضها، أي أن من نظروا للحداثة العربية هم كانوا مسبوقين برؤية مسبقة عن الشعر العربي أرادوا له أن يستنبت في غير أرضه، أي قطعوا علاقته مع الموروث قطيعة نهائية، قطعوا صيرورة الشعر العربي عن التراث العربي وذهبوا إلى تغريب جعل معظم القصائد التي نراها اليوم قصائد لا شكل لها ولا لون هنا نبه هلال إلى بعض الاستثناءات لمبدعين حقيقيين كتبوا بحق قصائد حداثية.
هنا نصل إلى أن حركة التحديث في صيرورتها التاريخية أصبحت اليوم كنتاج هي الحاضر المتحرك باستمرار نحو مستقبل مجهول، وعليه فإن الحداثة هي في التعدد والثراء وفي الاستجابة لحرية المبدع والنص، وما لم يمتلك المبدع حريته لن يمتلك نصه وصولاً إلى التعبير الجمعي عن الواقع أكثر منه تعبيراً عن محض ذات فردية ملتبسة، ومعلوم أن الحداثة في الشعر على سبيل المثال قد ارتبطت وعلى امتداداتها التاريخية منذ جبران إلى يومنا هذا بالتدفقات الانفعالية والعاطفية الرومانطيقية، وبالتدفقات النفسية والسريالية أو بجوانب من التراث العربي الذي يصب في هذا المنحى كالصوفية من حيث النزوع نحوها وقد تميزت تلك التدفقات بطابع سميّ بالتراكمية لتتخذ أشكالاً مختلفة ومرتبطة بها حسب كل شاعر وموقفه ولغته الشعرية. وفيما يتعلق بالتحولات التي طاولت القصيدة الحديثة من محاولات تجاوز عمود الشعر التقليدي كما في تجارب السياب ونازك الملائكة، إلى نظام التفعيلة كوحدة إيقاعية نجم عنها تجاوز إلى الجملة والمقطع والبنية، ليعكس الجماليات الداخلية والصفاء اللغوي التركيبي، لكن ذلك كما يؤكد هلال لم يمر دون ثمن فتحت شعار الوحدة العضوية تخبطت القصيدة بعناصرها الأولى فبقيت مطولات سردية أو خطابية كما بقيت رموزها مادة حفلت بالبلاغية فأفقدتها الكثافة. وتحت شعار تفجير اللغة الذي انطوى على الكثير من المغالطات في حقل النقد والتلقي لم يجد أرضاً عربية ليستنبت بها، بل ظل يحاول أن يحايث التجارب الشعرية العربية، ومن ذهبوا إلى مفهوم تفجير اللغة لم يحرروا اللغة من أصواتهم فقد هيمن الصوت الواحد وبقيت اللغة حبيسة متخيلهم وواقعهم ورؤيتهم الخاصة، ولم تنفتح هذه اللغة على المتعدد والثري، ولم تكن حواراً بين الذات والعالم وبين العالم والعالم الآخر، لهذا كانت العزلة هي السمة الغالبة على معظم القصائد الحديثة ولو ذهبنا إلى بعض ما ينشر في الدواوين والصحف مما يسمى بقصيدة حداثية لوجدنا أن الشعراء كأنهم يكتبون قصيدة واحدة، فهم بهذا المعنى مجموعة من النسّاخ، وهذا برأي هلال أم الإشكاليات ألاّ نعثر إلا في القليل على الصوت الخاص ومسوغات ذلك معرفية وتاريخية تتصل بغياب المفهوم الحقيقي لحرية الشاعر، ومن شأن ذلك أن يطمس الخصوصية والتميز، فالشعر إن لم يكن مسبوقاً بوعي ليس شعراً وهذا الوعي إن لم يجد تجسيده في الثقافة التي تقوّم الإبداع لا يكون شعراً، إنما مجرد استرسالات.
وختم هلال محاضرته بالإجابة على سؤال مهم هو:هل أصبحت قصيدة النثر البديل الشرعي للقصيدة الموزونة أو قصيدة الشعر الحر؟ هذه الدعوة برأي هلال تنطوي على مغالطة فادحة، لأن تطور قصيدة النثر هو نتيجة موضوعية لتطور كل الأشكال الأدبية بمعنى لا يجب أن نستنبت قصيدة النثر استنباتاً شيطانياً في بيئتنا ما لم تستنبت هذه القصيدة بسيرورة كل الأشكال الإبداعية. أما المنتظر في مشهد القصيدة المعاصرة بكل ثقة واطمئنان نقدي هم عرابو الاختلاف الذين ننتظرهم دون أن ننشغل بالوزن والروي، بقدر ما ننشغل بقيمة أساسية هي إنتاج الرؤية وكيف يتم إنتاجها مما يجعل من الحداثة أفعالاً معللة وليست معطلة.
جلال نديم صالح