ثقافة

الغنائية روح الشعر العربي

لم يعد تعبير الغنائية في الشعر العربي، قديمه وجديده، مغلقاً، ومكتفياً بصحة الأوزان، وسلامة القوافي، بل أصبح تعبيراً يحيلنا إلى بنائية القصيدة، ووحدتها العضوية، وتراسل أجزائها، لغة، وصوراً، ومجازات بارعة، لأن الغنائية هنا، وبمفهوم أكثر رحابة، هي مدى ما ينفتح به النص على مكوناته الداخلية، بقدر ما ينفتح على العالم الخارجي، ولعل التشكيل هنا البصري، لاسيما في القصائد الحداثية، هو من سيلعب الدور الأبرز في إنشاء قيم التلقي المنتج، فضلاً عن الاستقبال الجمالي للنص، فالغنائية بهذا المعنى هي قيم النص التعبيري، وقدرة المبدع على التأثير في ذات متلقيه، بشكل يحمل الدلالة إليه عبر تشكيل آخر هو وعيه الإضافي بالشعر كخازن طاقة، وتعدد ملكات يستقيم بها أخيراً الأداء، والأداء سيأخذ في بنائية القصيدة شكلاً داخلياً هو التناغم الكلي بين مكونات القصيدة من صورة إشهارية، وتقنيات لافتة تقوم على استثمار المجازات، والتوريات، والاستعارات، وغير ذلك.
ألم تقتلنا قصيدة المتنبي الشهيرة «على قلق كأن الريح تحتي»، بما أضاف لها فن التأويل من قيم جديدة ومتجددة تتصل بالحداثة كبعد رؤيوي خالق للأفكار وباعث عليها، فذلك الحداثي- المتنبي- الذي اخترق اللغة وأزمنتها كلها، هو القادر اليوم مع أجيال قصيدة الحداثة على اجتراح مضمون متغير، والمضمون هو الشكل أيضاً، إذ لا يعوض الشكل هشاشة المضمون ما لم يكونا، كلاهما معاً، تلك القيم الأصيلة للنص عبر ثقافة مرسله ومنتجه، وصولاً إلى ثقافة ومرجعية متلقيه، وهذا ما شغل المبدعين على الدوام بتجاربهم المؤسسة على سعة المتخيل والقدرة على استثمار اللغة أي جعلها لغة مفكرة بامتياز، وهنا فإن الغنائية في أشكالها المتعددة-الجديدة لم تعد أسيرة النمط الواحد أو الشكل المغلق، بل هي الأكثر انفتاحاً في شواغل أجيال الحداثة من الشعراء الكبار العرب ومجايليهم الفلسطينيين، الذين انطلقوا من تجارب لافتة على مستوى الصوغ والحشد الاستعاري، وعلى مستوى الأصوات التي حاكت تجارب غنية، وبوفرة تلك الملكات الحارسة، ظل الشعر العربي في لحظته الغنائية يحمل مدونته عبر الأجيال ليكون احتدام الطبيعة في صورهم ومكابدات الذات الشاعرة في نصوصهم وترنيمة الحواس، فكم فُتنا في ذلك التلوين البصري بوصفه ركناً من أركان الغنائية، لاسيما في مدونات الشعر الجاهلي، وحينما ظل الشاعر في لحظته تلك ينشد «مكر مفر مقبل مدبر معاً/ كجلمود صخر حطه السيل من علٍ» وهذا التلوين الذي جعل تعبير الشعر ظاهرة أكبر من اختزاله بظاهرة صوتية يجتاز كل عتبات المعنى، وبمعنى آخر لم تكن وظيفة الشعر هنا في إنجاز النص، بقدر ما تُنجز الرؤية هنا كل دالاتها الفاخرة بحسب الناقد الفرنسي رولاند بارت الذي بحث عن هذا الدال الفاخر فيما دونه الإبداع، لكن وبالمقابل إذا أردنا استقراء مدوناتنا الراهنة وقوفاً على حالتها أو لحظتها الغنائية فستكون الذات الشاعرة هي المرآة التي تعكس «ثورات الذات» وكثافاتها الجمالية، والأدّل تعبير الحياة الذي ذهبوا إليه جميعاً.
أحمد علي هلال