ثقافة

مؤامرة سريالية-دادئية-عبثية

تمام علي بركات

قررت في لحظة متهورة أن أتوقف عن التدخين، عزمت العقد والنية على ذلك، ثم ذهبت لأتجهز لما يلزم لهذه المعركة الشرسة مع سيجارة لا حول ولا قوة.
بالنسبة للاستعدادات الأولية فهي كما صار يعرف أغلب المدخنين الذين سبق لهم أن اتخذوا هكذا قرار خطير”بزر-قضامة- نوغا-” وهذه الخزعبلات التي يقال إن فائدتها في كونها تلهي عن التفكير بالسيجارة، على اعتبار أن التدخين عادة سلوكية بالمقام الأول، نفذت استعداداتي بعد الساعة الأولى من المبارزة التي استمرت 17ساعة بلا توقف، خلص البزر، اختفت القضامة، تطايرت قشور حبات النوغا وحطت فوق السجادة بألوانها الزاهية، ولكن ماذا بعد هذا؟ عليّ بالتلفاز، أمسكت جهاز التحكم كملك متوج على عرش إنما وحيد، إنه العالم يبكي على الفرنسيين من أنفه، فتعرف كم هو عالم وضيع هذا الذي نحيا به، لم يمت إلّا الأبيض الحضاري في ضمير هذا العالم!.
ماذا يوجد على القنوات المنوعة الأخرى؟ دب قطبي يفكر في فرصته الأخيرة للنجاة بحياته، وهذه الفرصة يوفرها له افتراس ديسميه، بعد أن ثقبنا الأوزون وخلقنا ظاهرة الاحتباس الحراري- المسكين لم يعد يجد فقماته السمينات- وهاهو الزمك توم كروز يقفز القفزة المستحيلة على واحدة من القنوات، وجينفير لوبيز تهز وسطها لدعم المنكوبين جراء أحد الفيضانات في ولاية أمريكية ما.
لكن ماذا بعد هذا؟ الساعة منذ عام كانت العاشرة وهي بعد عام أيضاً العاشرة والنصف مساء بتوقيت دمشق، كيف سيمضي هذا الليل أيها النابغة؟ ليلكِ بطيء الكواكب، ليلي بلا حتى كوكب الشرق يا رجل.
في تلك اللحظة المخادعة التي اتخذت بها قراري بوقف التدخين حالاً، بعد نوبة مرض لئيمة، قمت وبكل سذاجة بكسر علبة التبغ، بل إنني حطمتها تماماً كي لا أترك أي احتمال لأن تنجو سيجارة وتُضعف عزيمتي، ثم بدأت بشتم كولومبس ولعن الساعة التي تاه فيها هذا المجنون في المحيطات، فوجد أمريكا وجلب منها التبغ.
ذهبت الكهرباء كأحد أهم الخونة الذين تآمروا عليّ، مضت وخرجت فجأة ودفعة واحدة، انطفأ التلفاز والضوء والمدفأة، انطفأ الجيران والشعور المؤنس بالوحدة لتحل محله السيدة الوحشة بكل بدائيتها، كنت كمن يقف ليلاً وسط المحيط في ليل معتم، بدأت أصابعي تحرقني بشدة، ذهبت وعدت لأكثر من ساعتين من أقصى الجدار إلى أقصاه الآخر وأنا أخترع ذكريات لم تحدث وماضياً لم يقع، ثم أيضاً فجأة ودفعة واحدة، غادرني آخر المتآمرين عليّ، وكان الصباح يفتق رتق عتمة بدت كأنها سرمدية لا نهاية لغيها.
أمام البائع كنت أقف كالتلميذ النجيب منتظراً أن يعطيني علبة التبغ، كانت دافئة وحنونة. الطقس كان صافياً والشمس مشرقة وأنا أعبر الطريق ذاهباً إلى عملي سيراً على الأقدام، وكانت الحياة تلوح من ضفة مقابلة لسيارة أجرة.