ثقافة

«صوت من أجل السلام» في دار الأوبرا

ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الجهل والموت “محبتنا للموسيقا جعلتنا نتجاوز كل العوائق والمصاعب ونقف على الخشبة المقدسة، ونقدم أعظم ما ألّفه موزارت للبشرية، القداس الجنائزي الكامل تكريماً لشهداء حلب والوطن، وتأكيداً على أن الموت ليس الكلمة الأخيرة، فالموت رسالة لحياة جديدة “.
هذه الكلمات وجهها الأب إلياس جانجي قائد جوقة ناريكاتسي الذي قاد أوركسترا دمشق -وقد شارك قائدها المايسترو محمد زغلول بالعزف على الفيولا- في العمل الضخم على خشبة مسرح الأوبرا التي وصفها بالخشبة المقدسة. “صوت من أجل السلام” القادم من قلعة حلب الشامخة المتصدية لكل محاولات الإرهاب وأساليب التعذيب، ليصدح صوت الحق ويثبت للعالم بأسره أن حلب لم ولن تحترق، وستشعل شمعة السلام على مدى جغرافية سورية، صوت المحبة الذي يعلو على صوت الإرهاب من خلال القداس الجنائزي لموزارت الذي أطلق عليه “الروعة السوداء” القداس المتصف برهبة الموت وترانيم الدموع والرحمة، كُتب بمشهد درامي متكامل يجمع بين الجوقة وآلات الأوركسترا ومغني الصولو، وفق تقنية الأصوات الأربعة.
بدا الجمهور منصتاً لمعاني المفردات الروحية التي تترجمها الألحان وتبوح بأبعادها الإنسانية عبّر متتالية (الريكوييم ومقامات المينور والماجور)، ومدهوشاً بعظمة هذا العمل الذي تمّ التدريب عليه في أيام عصيبة عاشتها حلب.
شغلت الوتريات المساحة الموسيقية الأكبر لاسيما في العمل الكلاسيكي الذي ألّفه الأب جانجي بعنوان “الروح” والذي يسرد عبر الوتريات حكاية الحرب والسلام، ليتألق حضور الترومبيت والباصون والتيمباني في مواضع العزف المرافقة ترانيم معينة، كما بدت حوارية الترومبيت مع صولو صوت التينور، في حين رافقت الوتريات صولو صوت الآلتو. وكان لوقع اللون الأسود لثياب أعضاء الجوقة مع الوردة البنفسجية التي تعكس طيف اللون الكنسي دور في تكاملية عظمة المشهد. وكما أوضح الأب جانجي فإنه من المخطط  أن يقدّم هذا العمل في لبنان وفي عدة دول في أوروبا ليصل صوت حلب باحترافية موسيقية “صوت السلام” إلى كل العالم.

الروح والوتريات
بدأت الأمسية الغنائية الموسيقية بافتتاحية العمل الموسيقي الكلاسيكي الذي  ألّفه الأب جانجي خلال سنوات الحرب، لتختزل جمله اللحنية معاناة الناس وأوجاعهم وحنينهم وحزنهم وفقدهم، فمضى بلحن وتري حزين برتم متشابه ومتكرر، في مواضع تتبعها مساحات واسعة لامتداد الجمل اللحنية وصولاً إلى النهاية الفرحة أملاً بانتهاء الحرب، لكنها مضت أيضاً بوتيرة لحنية هادئة، فكانت الكمنجات المحور الأساسي للعمل مع الفيولا والتشيللو، وقد اختار الأب جانجي الكمان لأن ألحانه الرقيقة تخاطب مشاعر المتلقي وتترجم الحزن والفرح.
مشهدية الموت
مع بداية البرنامج لمتتالية القداس الجنائزي (الريكوييم) الذي يتألف من مجموعة مقطوعات، من القداس الكامل المعبّر بإيقاعه الدرامي المتكامل بين البعد الصوتي للمفردة والآلات اللحنية، عن مشهدية تعبيرية ذات وقع قوي لرهبة الموت وعظمة الخالق بمقام دي مينور كما في القسم الأول من التراتيل، بينما يتغير الإيقاع الدرامي في القسم الثاني منها ليأخذ معنى الرجاء والرحمة وكل المعاني الروحية السامية التي تهب الإنسان الهدوء الداخلي والسكينة من مقام ماجور، وبدت أكثر هدوءاً،  لتنتهي الأمسية بلوكس إيترانا الحماسية.
شاركت آلات النفخ الخشبية الكلارينيت والباصون مع النحاسيات الترومبيت والترمبون والتيمباني (الطبول الكبيرة) مع العازف علي أحمد، التي كان لها وقع رهبة الموت ضمن مواقع معينة تدل أيضاً على تأجيج مواضع الصراع الداخلي بين وجودية الحياة والموت، مع أعضاء جوقة ناريكاتسي الذين شاركوا بثلاثة أصوات السوبرانو والآلتو والباص في المحور العام مع الغناء الإفرادي الصولو الذي كان في مواضع إفرادياً، وفي مواضع يبدأ بالصولو الأول ثم بتتابع الصولو لمنار نوير –تينور، وناجي حمود الباص، وغادة حرب سوبرانو وسناء بركات آلتو، والأمر اللافت أنه في مواضع معينة كانت آلة الترومبيت ترافق صوت التينور، في حين رافق الكمان الأول والثاني السوبرانو والآلتو.
ثقافة حقيقية
هذا المشهد الجماعي المتناغم وصفه عدد من الجمهور ببرنامج صعب رغم احترافية أدائه، ووجد المتلقي صعوبة بمتابعة القداس الكامل، لكنه في الوقت ذاته يقدم تقنية احترافية أكاديمية متكاملة، فكما أوضح الأب جانجي- الذي درس في معهد الموسيقا المقدسة في روما وفي المعهد السيمفوني الأرمني في يريفان- على سؤالي له عن التشكيل الموسيقي الغنائي الجماعي والصولو بأن المؤلف الموسيقي يكتب عملاً موسيقياً متكاملاً ومقسماً بالكتابة لآلات الأوركسترا وللغناء الإفرادي والغناء الجماعي، ليأتي العمل بشكل متناغم مشكلاً لوحة مشهدية متكاملة، أما عن البرنامج الطويل المتتابع الذي بدا كمتتالية تابع بأنه يقدم نمطاً يشبه ما يقدم بدور الأوبرا العالمية في إيطاليا مكان دراسته وغيرها، إذ يدخل الجمهور إلى الأوبرا ويصغي بإنصات ما يقارب ثلاث ساعات، وأنه يطمح لنشر ثقافة جديدة نحن بحاجة إليها، ثقافة حقيقية تقف في وجه ثقافة الجهل وثقافة الموت التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
ملده شويكاني