ثقافة

كمين محكم

أمينة عباس

تتخذ الإعلامية  ديما ناصيف الرصيف مكاناً لانطلاق عملها الميداني والمتمثّل بسبر آراء المواطنين حول قضية معيّنة، اجتماعية أو فنية أو سياسية أو اقتصادية، وعلى الرغم من أن مدة الريبورتاج الذي تسعى هذه الإعلامية لإعداده قد لا تتجاوز الخمس دقائق، إلا أن ما لا يدركه المشاهد هو أن ساعات طويلة قد تنقضي قبل أن تحظى الإعلامية بما يكفي من مشارَكات لائقة لأن تشكل محوراً أساسياً في الريبورتاج، وذلك بسبب امتناع معظم من تحاول الإعلامية إشراكهم في ريبورتاجها عن المشاركة فيه، إلى درجة يتحول فيها سعي الإعلامية إلى إشراك المارّة في مادتها التلفزيونية نوعاً من أنواع التسوّل، ولهذا أسبابه المتعددة، في مقدمتها الأسباب الاجتماعية التي تجعل من الظهور في التلفزيون عملاً غير محبّذ اجتماعياً خاصة بالنسبة للنساء.
لكن الناحية الأهم في الموضوع هي أن البعض لا يشعر بجدوى المشاركة في هذه الريبورتاجات، أو أنه لا يشعر بمصداقية وسيلة الإعلام في نقل رأيه كاملاً دون اقتطاع، لذلك كانت مهمة وسائل الإعلام صعبة في بناء الثقة مع المواطن، وهو ما استطاعت أن تحققه جزئياً من خلال مجموعة من البرامج الجريئة نسبياً، التي طرحت همومه ومشاكله اليومية، وباعتبار أن مهمة بناء الثقة مع المتلقي تبدو صعبة بل وشاقّة في كثير من الأحيان بذلت وسائل إعلامنا الكثير من الجهد حتى وصلت إلى حدِّ مقبول من عملية بناء الثقة، وهي بحاجة دائمة إلى مزيد من البرامج التي تعزز وتقوّي ما بنته على مدى عشرات السنين..
ومن المؤسف أن تظهر بين الحين والآخر برامج ريبورتاجية تعمل بقصد أو دونه، على تهديم كل ما حاول إعلامنا بناءه عبر عشرات السنين بلحظة واحدة من خلال برامج موسمية هدفها الإضحاك والترفيه، لكن مادتها هي المواطن الذي وثق بها وتعامل معها بكل جدية، لكنها لم تكن أكثر من كمين محكم سمج للإيقاع بهذا المواطن وتحويله إلى مادة للسخرية، وهو ما ظهر جلياً في أكثر من برنامج بُثّ على أكثر من محطة محلية خلال شهر رمضان، كان فيه المواطن هو الضحية المباشرة، والثقة الهشة القائمة بين الإعلام والمواطن هي الضحية غير المباشرة، فمن بعد اليوم سيثق بوسيلة إعلام تحوله إلى مجرد كراكوز؟ وكم سنبذل من الوقت والجهد لنعيد الثقة المتواضعة بين وسيلة الإعلام والمتلقي إلى سابق عهدها؟.