ثقافة

صباح!

غسّان كامل ونّوس

أيّها الصباح.. أسألك منذ تفتّح الوعي، ولا تقول لي: من أيّ فجّ تهلّ؟! وما الذي يدفعك إلى أن تفيض كلّ يوم، وفي الجهات كلّها؟! وكيف تنضج نهاراً؟! وأين تستريح؟!.

كيف لا تنسى، ولا تتخلّف؟! على الرغم من غفلتنا، ورغبتنا، وعنادنا، وتردّدنا في الامتثال لانسياب حضورك.. وكيف تُداري لهفتك، أو نفورك؛ حزمك أو تردّدك..؟! أيّ سحر يوقظنا؟! وأيّ ألفة تراودنا عن التمادي في استهلاك العمر المحدود بلا حساب؟!.

يتركك بعضٌ مكرَهين، ولا تزعل؛ ويدير بعضٌ ظهورهم، ولا تغضب؛ يفيق بعضٌ بهموم السعي الشقيّ، ولا تأبه؛ ويقعد بعضٌ عن المضيّ في مناكبها، ويختصمون.. ولا تقنط!.

لم تفصح- ولا أدري إن كنت تعلم- كم من الصباحات بقي؟! وهل من صبح سواك؟!.

هل هي في مجمّع الفضّة، أو في لدنٍ محتشد بها؟! أم تتوالد من كوّة، يلتمّ إليها ثقبها الأسود والغياب المحتوم؟!. وما الذي قد أشهده منها بعد؟! وهل هذا من اهتمامك؟! ولماذا أنا؟! وماذا عن باقي الخلق؟!.

ستبقى تطلّ، حتّى بعد أن أغيب، ويغيب سوايَ؛ لا شكّ في هذا. ولكن، إلى متى؟!   هل تتوزّع أضواؤك كائنات أخرى؟! في كراتٍ أخرى؟! وهل تكفي كلّ الصباحات في الأحياز التي لا أعرف، وتتشابه، وتتزامن، أو تتناوب؟! أم لكلّ منها كوّته وفتيله ولونه المختلف؟!. وهل هناك من يستقبلها، ويتلهّف إليها، أو يندب حظّه لقدومها؟!. هل هناك كائنات تشبهنا، بالعقل الذي نختصّ به؟! وبالعواطف التي تجتاحنا، وتجتاح موائلنا ومصائرنا؟!. هل هم طيّبون مثل كثيرين منّا، لا يجدون عشاء؛ لأنّ هناك من أكله- والنهمون كثيرون أيضاً-! وهل منهم من لا ينامون، أو يفيقون على همّ قديم؟! هل يبدّدون قواهم، ويستنفدون طاقاتهم في خصومات لا تنتهي؟!.

هل يفقدون أعزّتهم، ويخسرون أرزاقهم لأسباب وعلل، تخصّهم، أو لا علاقة لهم بها؟! أم هم أشرار، لا يتمنّون الخير لسواهم، ولا يقبلون بهم شركاء في الهواء والماء والغذاء؟!. مع ذلك تزورهم، وتوقظهم، حتّى لو كانوا ليسوا نياماً، وتضيء لهم، لهم جميعاً دروباً وجهات وأحيازاً!.

أيّها الصباح..

لا أدري متى ستأتي، ولا تراني، ولن تهتمّ؛ أو متى لا أفيق لأراك، ولا أدري إن كنتُ أحزن منذ الآن، أو يحزن سواي، من أجل ذلك الوقت؟! وهل من جدوى؟!.