ثقافة

بين الواقع والخيال والواقعي المتخيل

يقال أن على الأديب أن يقطع حبل السرة مع تجاربه الحياتية بعد اختمار نتائجها في فكره، من أجل الوصول إلى درجة عالية من “المخايلات” –التخيل-لإنجاز إبداعه الحقيقي، فالواقع ليس هو المعين الذي من المفترض به الركون إليه في نتاجه ومفرداته، بغض النظر عن ماهية هذه المفردات حتى تلك التي وصفت بـ “الشوارعجية” ثم أصبح التعامل معها وكأنه من الطبيعي في الأدب (لاحظوا معظم الأعمال الأدبية التي نشرت منذ أكثر من عقدين) فأدبيا وحتى علميا، الخيال هو من خلق الواقع، لذا على الأديب أن يكون خلاقا في خياله، بعيدا عن المرامي المدركة، الواقعية، بل هو من عليه أن يخترع ما لا نعلم!-، إلا أن هذا المذهب الأدبي، تراجع وجوده بين الناس، حتى أن من يعمل به، يعتبر متخلفا وخشبيا من قبل نقاد هذا الزمان.
هذا الكلام أو الرأي قابله رأي أدبي آخر، يحكي عن ضرورة نزول الأديب من عوالمه الخيالية إلى الشارع، أن يكون بين الناس، منهم، يعرفهم، ويعرف أن يحكي حكايتهم، وهم يدركون ما ذهب إليه في عمله، فالقصيدة مثلا يجب أن تتخلص من بذخها الدلالي واللفظي الشعري الخيالي، والرواية يجب أن تذهب روحها إلى الحياة اليومية والاشتباك معها، أو بمعنى أكثر أدبية، إنزال الهالة الأدبية الخيالية من مراميها العالية، لتكون بين الناس ولجميعهم، وهناك من النقاد العرب من يجد، في هذا إجحاف للشعر، حتى لو نجحت تجربة الشعراء الذين كانوا رواد هذه النظرة، كالماغوط – الذي لا يغيب اسمه عن أي مقارنة- وغيره من شعراء هذا الاتجاه، وهم بالمناسبة – اقصد شعراء قصيدة النثر الأوائل-، أغلبهم بدأ مع العمود، كما أن لغتهم اليومية هي لغة شعرية بحد ذاتها، وفكرهم المعرفي مصقول ومنحوت ومنفتح على كل التجارب والمذاهب والاتجاهات.
شيوع هذا المذهب الأدبي الأقل تكلفا، والأبسط في ظاهره أو الأسهل، كما هي الفكرة المأخوذة عنه، جعلت من الأدب شيئا فشيئا مشاعيا، سائبا، فعمت الفوضى في قواعده أو لا قواعده إن صح الوصف،ومثالا على ما تقدمنا به، نضرب مثالا بواحد من أخطر الأنواع الأدبية التي تم التعامل معها وفق هذه النظرة، “الشعر”،المصيبة التي أصابت هذا النوع الأدبي الأكثر هشاشة، بدأت بكشف نفسها منذ مدة لا بأس بها، بعد أن ظن الجميع، بل أيقن، أنه قادر على هذا، أن يكون شاعرا!، فهو قادر على كتابة كلام له انفعالات “انسي الحاج” مثلا، أو حكايات “منذر مصري” الشعرية أيضا بمفرداتها البسيطة، أو التي تبدو هكذا، لكنها بالتأكيد ليست كذلك، إنهم “شعراء” بفعل الأمر الواقع، لكن ما كان ينقصهم فعليا هو المنبر، حيث أن العديد منهم خسر ماء وجهه في مجموعة شعرية قدّمها إلى “الهيئة العامة السورية للكتاب” – التي كانت ميالة في تلك الفترة إلى القصيدة الكلاسيكية-  ورُفضت من لجنة القراء، كونها ليست شعرا، أحد النقاد وصف قصيدة قرأها في مجموعة شعرية بقصد تقييمها للطباعة، وصفها بكونها “أغبى” ما قرأ، لتصبح تلك القصيدة فيما بعد واحدة من أكثر القصائد حضورا عند ذكر اسم صاحبها –لم نذكر اسم الناقد أو اسم الشاعر وقصيدته، لأن هذا زمن ولى، والمجالس أمانات- لكن التجربة بحد ذاتها بقيت مستمرة، إن كان في التضامن غير المعلن، الذي نشأ بين هؤلاء الشعراء الجدد، فتجربتهم يجب أن تدافع عن نفسها وتقدم براهين شعريتها، ولما كان المنبر غير متوفر، إن كان بالصفحات الثقافية التي نادرا ما تنشر الشعر الآن، أو في الملحقات الأدبية، التي كانت أسماء الشعراء الموجودين فيها، معروفة سلفا، لذا كان لهؤلاء “الشعراء” خيارات أخرى أكثر جاذبية ربما من حيث الشكل، كما كان يحدث في الحانات التي قدمتهم كشعراء وزبائن أيضا، من بيت القصيد حتى آخر ما هو موجود منها، ومعروف أيضا  ما يجري اليوم من طباعة لما يقرأ ولا يقرأ في دور نشر “دكنجية”، آخر ما يعنيها القيمة الأدبية، عدا عن المنبر الأكثر شعبية والأهم “وسائل التواصل الاجتماعي”–تكلمنا فيها بمقال سابق- وهكذا “تخربط” الشعر، ولم يعد معروفا ما هو شعري وما هو كابوس، فالجميع كما اسلفنا “شعراء”.
ضربنا مثالا عن الشعر، باعتبار الرواية لم يزل الخوض فيها غير متاح إلا لمن له خبرة طويلة في العمل الأدبي، ورغم تعرض هذا السدّ أو الحاجز لبعض الاختراقات من هنا وهناك وبوسائل لا مكان لإيرادها هنا، -أحلام مستغانمي مثلا- إلا أن منسوب الخراب فيها، بقي اقل من الشعر.
لن نغفل ظهور المذهب الذي يزاوج بين ما هو واقعي وما هو متخيل، والذي كان له عالميا العديد من الأدباء المشتغلين وفق خطوطه العامة، كما “ماركيز” مثلا في مزجه ما هو متخيل وما هو واقعي، بحيث يصبح الواقعي يبدو وكأنه المتخيل، والعكس صحيح.
هذا المذهب لم يلق رواجا كبيرا عربيا وحتى محليا، باعتباره يحتاج إلى النضوج الفكري أو تقدم الحالة المعرفية عند الأديب ثقافيا وفكريا وتحليلا وقدرة على الاستقراء والاستنتاج، لذا فإنه لن يلائم بالتأكيد العديد من “مثقفي” الجرايد وحفظة العناوين، وها نحن الآن نعاني تراجعا عاما في مختلف النواحي الأدبية، هذا التراجع الذي بالتأكيد سينعكس على الحالة الدرامية بأنواعها – وهذا أمر واقع اليوم، وبالضرورة على الشارع والناس.
لا وصفة سحرية لتلافي هذه “المصيبة” ولكن الزمان وحده كفيل بتنقية كل ما هو قابل للخلود، ونقله إلى الأجيال الأخرى، عدا ذلك، كله سيكون للهباء، كحال بعضه حتى وهو راهني وواقعي!.
تمّام علي بركات