ثقافة

حينما يصبح الوجدان شكلاً

أكسم طلاع

شهد المركز الثقافي العربي بدمشق معرضاً لأكثر من أربعين فناناً تشكيلياً سورياً من أجيال مختلفة بعنوان “تحية للفنان نشأت الزعبي”، الذي درس الفنون الجميلة في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي وتخرج في جامعة دمشق 1964، وقد قضى أكثر من عشرين عاما مغتربا في الكويت. وبعد افتتاح المعرض أقيمت ندوة تكريمية حوارية بمشاركة الفنانين عبد الكريم فرج ومحمد غنوم وموفق مخول، وتسلم الفنان الزعبي شهادة التقدير من معاون وزير الثقافة الأستاذ علي المبيض الذي عبر عن تقديره للفنان الزعبي، ولجمهور الفنانين المشاركين في تكريم زميلهم الذي يستحق هذا التكريم، فهو قامة إبداعية تشكيلية تفخر بها سورية. فيما قدم المحاضرون شهاداتهم بزميلهم المكرم، فتحدثوا عن تجربته الطويلة وعن سيرة إحدى اللوحات المعروضة والتي تمثل حرب تشرين التحريرية وكيف تم الحصول عليها من إحدى المدارس، ثم قدم الفنان نشأت الزعبي عرضاً قصيراً عن تجربته أوجزه بمقولة: “الفن هو ذلك الوجدان حينما يصبح شكلا”.

ربما تكون هذه الكلمات التي قالها هذا الرجل المعروف بصمته وتواضعه تمتلك من كثافة التعبير والإيجاز ما يجعلنا نقف باحترام شديد عند هذه التجربة الطويلة التي اعتنت بالإنسان والبيت والبيئة والوطن، رسم بعين من وجدان مختلف، لا يستجدي الصورة القريبة، بل يذهب إلى المعنى وإلى روح المكان ورائحته، بيوت تعرش عليها الذكريات، مفتوحة أبوابها القديمة على الطفولة في الزقاق الضيق ومغلقة على أنفاس العائلة المسورة بالدفء والأم والأنثى، وبالمشترك بين الناس من هموم وتعب وألم.

هذا هو نشأت الزعبي  الذي قارب الثمانين من العمر متواضعا وبصوته الخفيض يعلم  ويكرم أصدقاءه بحضوره الباذخ بالشفافية والوجدان العالي، وبإحساسه أن الفنون ستبقى مرآة الإنسان النظيفة التي تتفوق على بشاعة العقل والغريزة التي فعلت فعلها في خراب الأوطان والبيوت، وجعلت الجميل أكثر اغترابا وصمتا أمام فيض الإعلام وأدوات الحرب ، لكن الفنان لا قدر له إلا ما يحرس ويتوق من حلم.. ولا قدر إلا هذا الوجدان المتشكل من رهافة الحياة والإنسانية إنه حارس الجمال الذي يفرح بوردة وإن كانت ذابلة.