ثقافة

شكــــــراً أيها الألـــــم

بدأت العاصمة تتخفف من أعباء نهارها رويدا رويدا، وها هو المساء الذي صار يحل مبكرا، يسدل شعر لياليه على المدينة التي لا تزال تنام على وقع طبول الحرب، رغم أن صوتها خف كثيرا في الفترة الأخيرة. اشتعلت أضواء الشوارع كفوانيس سحرية، والسيارات السائرة بسرعة، بدأ يراها حيث يقف وينظر إليها من الأعلى، كعلب الكبريت كلها تشبه بعضها، ما من أحداث مميزة لهذا المساء الذي بدأ، لكنه كان في بدايته، وليالٍ كهذه لا يحزر على مجرياتها لدقائق، فالعدو ما زال العدو، والجراح ما زالت نازفة، ورغم ذلك ساد الصمت في الردهة، وها هو آذان العشاء ترن كلماته الملحنة عادة على عدة مقامات، ولكنها تغيرت، فلقد صار غالبا ما يشبه آذان العيد، كما تعودنا عليه طبعا، لكن راقه صوت الآذان، فلقد كان المقام نفسه لموال يحبه “غافلت بيتي وجبت كاسي وجيت” فشعر بسلام نفسي مرّ سريعا لحظتها وتلاشى، لقد غفا لبرهة، وشعر بيد أرسطو توقظه بينما شفاهه تردد بصوت واضح”لأمل هو حلم اليقظة”.

ليال طويلة وقفَ فيها على قصب ساقيه، يبكي بصوت مسموع ويدخن بكثافة وكأن صدره فوهة قطار يعمل على الفحم. كانت الدموع تنحدر فوق وجنتيه إلى ما بين شعر لحيته الكثيفة، ثم تتجمع قبل أن تبدأ بدورها بالهطول كمطر خفيف فوق قميصه بداية، حتى يصبح كل قميصه غارقا بالدموع، التي تجف تاركة مساحات بيضاء سخيفة، يجب استبدالها.

في تلك اللحظات أو تلك الدهور، التي لم يكن له من سميرٍ فيها إلا زجاج النافذة وبعض الذكريات غير واضحة المعالم، لكنه يعرف أثرها بجوانياته، كان ينظر إلى ملامح هذه البلاد من زجاج النافذة الصامتة كحبيبة متأثرة، البلاد التي تغيرت كما لو أن ملامحها المميزة ارتدت أقنعة في حفلة تنكرية كبرى، كانت المدينة تفيق رويدا رويدا، والحياة التي لم تنقطع يوما عن الحياة، ستندلع بعد لحظات فوق هذه الطرقات والمفارق، التي توصل جميعها حيث هو متواجد، إلى قلب البلد، وهاهم النائمون على الأرصفة وفي الحدائق، من شحاذين ونازحين ومهجرين، ومن مختلف الأعمار، يتململون بردا في الحديقة التي أصبحت غرفة نومهم، منهم من استيقظ باكرا إلى الشقاء، ومنهم من قوس جسمه، بعد لسعة برد تشرينية مبكرة أصابته، تذكر بغتة وهو ينفخ دخان سيجارته إلى الزجاج المرتعش فجرا، حيث بدأ تشرين بإيفاد رسل البرد القادم لهذا الشتاء، تذكر أنه عندما كان صغيرا، كان ينفخ على الزجاج، ومن بخار الماء المتشكل من دفء أنفاسه وبرودة الزجاج، ترتسم بقعة بيضاء على الزجاج، كان يكتب عليها ما يريد أن يكتبه دون أن يعلم به أحد إلا هذا الزجاج الذي سوف ينسى بعد قليل كل ما تمت كتابته.

كتب في الصفوف الابتدائية اسم الفتاة التي يحبها في الصف، كان يرسم الحروف فوق البقعة البيضاء التي تركتها أنفاسه على زجاج نافذة الغرفة، وكانت الحروف التي بدأت بتشكيل اسمها، تبدأ بعد لحظات بالذوبان رويدا رويدا، حتى تستحيل شبه ذكرى للوح زجاج.

فعل ذلك أيضا، اقترب من الزجاج ونفخ عليه، لكن ما يريد كتابته لا تكفيه هذه الفسحة الصغيرة من البياض أو الغبش، وعندما هم بالكتابة، لم يشعر إلا وأنه كان بأكمام القميص يمسح ذلك الغبش، إنها ألعاب اليأس مرة أخرى، قال لنفسه.

قاسية تلك اللحظات التي جعلت رجلا قسماته وملامحه حادة وعدائية بعض الشيء، يبكي طويلا بنحيب صامت، الأمر الذي كان يستغربه المارة، عندما كان يغادر مكانه، -الذي أصبح مكانه بحكم العادة اليومية له-، شباك الردهة، من رجل بهذه الصفات الشكلية القاسية، يبكي غير أبه بأي كان، وهو حقيقة كان كذلك، فما من إنسان في العالم أو أي شيء آخر، يجعله يخرج مما ملأ جسمه بالدموع عوض الماء، وفي المرات الكثيرة التي مشى فيها فوق أربع بلاطات ما يعادل 4 كم، تذكر ما كتبه صديقه الشاعر “قلت لجدتي: هل تعرفين أن ثلثي جسم الإنسان ماء، قالت: لا بل دموع” ياله من جواب حقيقي قال لنفسه.

مرت الحكايات الطويلة والقديمة وراء تلك النافذة التي كان يقف خلفها وكأنه ظلها، هو فعلا كان يبدو كظل نافذة، فبعد فترة من مشاهدة الناس له وهو يبكي ويدخن، صار غير مرئي بالنسبة لهم، حيث الآلام الدامية التي تصل، تجعل لكل موجود جرح روحه الخاص به وحده، تلك الريفية التي تخرج وشعرها لم يعرف طعم المشط منذ أشهر بيديها عبوات تركض بها، وذاك العجوز الجالس إلى ظل شجرة يحمل في يديه علبة عصير يضعها في كيس وفي يده الثانية تتساقط حبات سبحته كشلال فوق بعضها البعض، بينما رأسه ينخفض رويدا رويدا ثم يرتفع فجأة.

ها هو الصباح يعلن عن قدومه الواضح، فيبدأ بترتيب هندامه، ومسح صفوة السجائر التي علقت بثيابه، وعبر الزجاج ينظر قليلا ثم يبتسم ويلوح بيده قبل أن يذهب.

ماهي إلا بداية جديدة لمسيرة تعب وشقاء لا يحسب زمنها بالدقائق والساعات، بل يحسب بالألم، حيث هو وحده من يستطيع أن يجعل الأمر برمته محتملا، لذا ربما علينا في بعض الأحيان شكره، فشكرا أيها الألم.

تمّام علي بركات