ثقافة

فيروز.. صوت الأمل على مرّ الأيّام

من غير الضروري أن تكون عربياً حتّى تميّز صوت نهاد حداد، المعروفة باسم فيروز، الجوهرة النادرة، القادرة بإجماع الموسيقيين العالميين، على غناء الموسيقى العربية والغربية. يختلف محبّوها حول عمرها الحقيقي 80 أو 81 ولكن ما هو مؤكد أن 21 تشرين الثاني هو عيد ميلاد “فيروز” الأسطورة اللبنانية، التي شَدت على كبريات المسارح العالمية، من قاعة ألبرت الملكية في لندن إلى قاعة كارنيغي في نيويورك. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام رسمية لرصيدها الفني، إلا أنها بالتأكيد سجلت فيروز أكثر من 1500 أغنية وأكثر من 80 ألبوماً.
جزء من سحر الفيروزيات موضوعاتها سهلة الفهم، كحياة القرية في جبال لبنان، ورائحة الياسمين وأشجار التين وكروم العنب وركوب الحافلة. وهي آخر الأيقونات الثقافية اللبنانية الثلاث، والتي ضمت إلى جانبها المغني الكبير والملحن والممثل، وديع الصافي (1921-2013)، والمغنية والممثلة صباح (1927-2014).

الديفا اللبنانية
حلّقت فيروز عبر أثير الراديو السوري واللبناني في وقتٍ كانت فيه الهيمنة للموسيقى المصرية الكلاسيكية الطويلة، لتقلب أغانيها القصيرة والحديثة والسهلة التذوق، الموازين. وبالنسبة للعديد من مواطنيها، قامت فيروز بإعادة تعريفٍ لما يعنيه أن يكون الشخص لبنانياً. أخذهم صوتها إلى مكان آخر عندما هربوا من الحرب وبدؤوا حياة جديدة. فاح عبيرها خارج لبنان أيضاً، فالفلسطينيون، على سبيل المثال، اعتمدوا أغنيتها “سنرجع” كأغنية خاصةٍ بهم، وامتدّ إلى الغرب من باريس إلى لاس فيغاس. قد لا يفهمون كلماتها، ولكن هذا لا يمنع من بيع جميع تذاكر حفلاتها.
لم تكن حفلات “الديفا اللبنانية” رغم شهرتها- وبخاصة التي أقيمت خارج لبنان- مبهرجة مع أزياء صارخة. بدلاً من ذلك، اعتمدت على راقصين تقليديين وأوركسترا، إضافة لصوتها لتدوين حفلاتها في تاريخ الموسيقى العالمية.

البداية
بدأت فيروز الغناء مع استقلال لبنان، ما ربطها بتاريخ البلاد، في جوقة في الإذاعة اللبنانية، وسرعان ما اشتهرت بصوتها الملائكي، فمن المعروف عنها قولها “أغني كما لو أني أصلي”. وقد ميزت نفسها عن غيرها من المطربين العرب النموذجيين من خلال عدم استخدام النغمات الصادرة عن الأنف ما يعطي مدى وصدى أوضح لصوتها. وخلال الحرب الأهلية في لبنان وتقسيم بيروت في السبعينيات، رفضت أن تتخذ جانباً. وقررت عدم الغناء في لبنان على الإطلاق، بدلاً من ذلك قامت بجولات خارجية.
وهنا تشبث جميع اللبنانيين بها وغرقوا في بحر أغانيها الوطنية وبخاصة أغنية “بحبك يا لبنان” التي لا تزال تُردد في كل زاوية وشارع لبناني. ويؤكد ناصر الطائي، أستاذ علم الموسيقى في جامعة تينيسي، “غنّت عن لبنان الموحد، من شماله إلى جنوبه، التلال والوديان، والفقر والغنى”.

القمر والنجوم
تجاوزت أغاني فيروز القومية والدافئة وصوتها الحنون الحدود والأجيال، غنت أغانٍ مؤيدة للفلسطينيين، وحصلت على لقب “سفيرة النجوم”، وأغنيتها عن القمر أعطتها أيضا لقب “جارة القمر”. إضافة لحملها لقباً شرفياً هو “روح لبنان”. قارنها النقاد الغربيون مع بيلي هولِدِي (مغنية الجاز الأمريكية الأشهر)، ودعاها البعض بـ”كالاس العربية” تيمناً بمغنية الأوبرا الشهيرة ماريا كالاس. وتقول فيها خبيرة موسيقى الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، فرجينيا دانيلسون، “إن صوت فيروز حساس ومتعدد الطبقات، مرنٌ يصلح للتجويد والترنيم معاً، تغني بسهولة وكأنها لا تبذل أيّ جهد”.

تِركواز
اكتشف حليم الرومي، الذي كان يعمل مخرجاً موسيقياً في إذاعة لبنان، موهبتها وجعلها تغني منفردة. وهو من أعطاها اسمها المسرحي فيروز (التِركواز) لأن صوتها ذكره بذلك الحجر الراقي والثمين. وهو والد المغنية اللبنانية الشهيرة والسوبرانو، ماجدة الرومي. في الستينيات، أطلق حليم على فيروز لقب “السيدة الأولى للغناء اللبناني”.

قوّة توحيد
عرفت فيروز بشخصيتها الخاصة، فسلوك فيروز جزء كبير من سحرها، تصفق حيناً وتحرّك يديها مع ألحان الموسيقى أحياناً. ونادراً ما أجرت المقابلات أو ظهرت بأماكن عامة إلّا إذا كانت تغني في إحدى حفلاتها. وخلال عقود من الصراع، اتفق كل اللبنانيين من طوائف وخلفيات مختلفة على أمر واحد، عشقهم لفيروز. وهناك قول مأثور باللهجة اللبنانية انتشر مع أثيرها “اللبنانيون اختلفوا على كل شي إلّا على فيروز”.
تزوجت فيروز من عاصي الرحباني في 23 كانون الثاني عام 1955. الذي كان معروفاً مع أخيه منصور باسم الأخوين رحباني، معاً كتبوا مئات من أغاني فيروز، فضلاً عن الأوبرا، والإنتاج والتأليف المسرحي والسينمائي. أطلقت أغنية “عتاب” الرومانسية مسيرتها المهنية بين ليلة وضحاها كمغنية منفردة ومتفردة في جميع أنحاء العالم العربي. ومنذ عام 1979، بدأت فيروز العمل مع ابنها زياد الرحباني.
اليوم، لا تزال فيروز جزءاً حيوياً من الثقافة اللبنانية والعربية. ولا تزال ترفض المقابلات، وتعيش في بيروت وترتل في الجمعة العظيمة من كل عام في الكنيسة. صوتها ليس بالقوة التي كان عليها من قبل، ومع ذلك ينتظر عشّاقها من جميع أنحاء العالم أعمالها ونشاطاتها.
سامر الخيّر