تحقيقاتصحيفة البعث

دون وصفة طبية سوق الأدوية.. فوضى وغياب الرقابة.. وامتهان غير قانوني للصيدلة

الصيدلة مهنة حساسة، وحساسيتها تجعل من عمل الصيدلي قضية تتباين فيها وجهات النظر إزاء دوره، وواجباته، ومسؤوليته، فهل يقتصر عمله على صرف الدواء للمريض نفسه؟ وهل تكفي الصيدلي خبرته، أم لابد له من الدراسة الأكاديمية لكي يؤدي عمله بإتقان؟ وهل أصبح المكسب المادي غاية الصيادلة فقط؟.

فقر الحال

تردي الأوضاع المعيشية، وانتشار الفقر، وقلة فرص العمل، تجعل الكثير من الناس يلجؤون إلى الصيدليات مباشرة دون الذهاب إلى طبيب مختص، وذلك بسبب ارتفاع أجرة المعاينة إلى حد يفوق قدرة المواطنين الذين يقع معظمهم تحت خط الفقر.

أم عامر تلجأ إلى إحدى الصيدليات رغم علمها بأن صاحبها لا يحمل شهادة صيدلة، مبررة ذلك بقرب الصيدلية من منزلها، وانخفاض أسعار الأدوية فيها مقارنة مع غيرها، كما تحصل منها على الحليب لطفلها بأسعار رخيصة باعتباره صنفاً غير مخصص للبيع يقدم للمحتاجين كمساعدات إغاثة، لكن الفقر وضيق الحال يضطرها لذلك بحسب تعبيرها.

عمار، أحد المواطنين، يتحدث عن معاناته من هذه الظاهرة قائلاً: لاحظت أن أخي مدمن على شراء دواء اسمه (ترامادول) الذي حصل عليه من إحدى الصيدليات على أنه مسكن للألم، وعند قيامي بسؤال أحد الأطباء أكد بأنه يندرج تحت قائمة الأدوية المخدرة، ولا يجوز بيعها إلا بموجب وصفة طبية لأنه يؤدي للإدمان.

أما برأي مرح، خريجة كلية الصيدلة، فإنها تحصر المشكلة في ممتهني الصيدلة الذين لا يحملون شهادة تخولهم بيع الدواء ووصفه للمرضى، مشيرة إلى أن هدفهم الربح المادي دون اكتراثهم بحياة الناس، ما جعل الصيدليات أشبه بدكاكين لبيع الدواء!.

الإدمان الدوائي

تشكو الدكتورة ربا جربوع، العاملة في الصيدلية المركزية، من تصرفات بعض المرضى الذين لا يبالون بصحتهم، وليست لديهم خلفية ثقافية، حيث يطلبون أدوية غير مسموح ببيعها دون وصفة طبية، وفي كثير من الحالات تكون هذه الأدوية خاصة بعلاج أمراض خطيرة، أو طلب أدوية نفسية مخدرة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن مثل هذه الأدوية قد تؤدي بصحة المريض للإدمان الدوائي، وبيّنت الدكتورة جربوع أن الأدوية تصنف في ثلاثة أنواع حسب وجوب بيعها مع وصفة طبية: أول نوع يسمى otc هي أدوية يكفل الصيدلي وصفها وبيعها، وفي كثير من الأحيان تباع في السوبر ماركت مثل الباندول، وأدوية السعال الخفيفة، والأنفلونزا والرشح، أما النوع الثاني من الأدوية فيلزم وجود وصفة طبية مثل أدوية الضغط، والسكري، والقلب، وبيع مثل هذه الأدوية ليس ممنوعاً دون وصفة، ولكن يجب متابعة الطبيب قبل أخذها، وخاصة الأدوية المراقبة وشبه المراقبة، والنوع الأخير حذرت الدكتورة من خطر التعوّد عليه لأنه دواء مخدر، وهو أشبه بالأدوية النفسية، وهنا لا يحق للصيدلي وصفها دون مراجعة الطبيب، ولا يجوز بيعها أكثر من مرة من الوصفة الطبية مثل دواء الترامادول.

وأكدت الدكتورة جربوع ضرورة تقيد الصيدلي بما هو مدون في الوصفة، مع تقديم شرح كاف للمريض عن مضمون الوصفة بما يشمل كيفية تناول الدواء، وعدد الجرعات، وما شابه، لأن المريض لا يعرف ما الذي يضر بصحته.

كما نستنكر في الآونة الأخيرة قيام بعض العاملين في الصيدليات بوصف أنواع من الأدوية لا يصفها الأطباء للمرضى إلا عند الضرورة القصوى كالأدوية النفسية والمخدرة التي انتشر بيعها في الآونة الأخيرة على نطاق واسع.

خرق للقانون

في هذا السياق بيّن نقيب الأطباء بالسويداء الدكتور كمال عامر أن كل ما يتعلق بهذا الشأن يعود سببه لرئيس نقابة الصيادلة، وهو المسؤول الأول عن غياب الرقابة، والتسيب ببيع الأدوية دون وصفة طبية، موضحاً أن هناك علاجات معروفة عالمياً يمكن صرفها دون وصفة طبية، وهي علاجات ليست لها تأثيرات جانبية، ولا تتعارض مع أدوية الأمراض المزمنة، وهذه الأدوية قد تجدها في محلات التسوق الكبيرة مثل علاجات السعال، والصداع، إلا أن هناك أدوية متعلقة بأمراض خطيرة مثل الضغط، والسكري، وأمراض القلب كافة، وهذه لا يجوز أخذها دون استشارة طبية لأنها قد تودي بحياة المريض.

ومهما كانت خبرة الصيدلي كبيرة، إلا أنها لا تقارن بخبرة الطبيب وعمله، وصرف هذه الأدوية دون وصفة طبية يعتبر خرقاً للقانون يوقع مرتكبه تحت طائلة المسؤولية، ويترتب عليه عقاب، وهذا الكلام لا يقصد به التقليل من أهمية الصيدلاني لأنه خبير في علم الأدوية وتركيبها، ويستطيع تنبيه الطبيب لتضارب علاجين في حالات الخطأ.

محاذير وضوابط

ولن ننسى أن مهنة الصيدلي من المهن الطبية المساعدة، ولا يقتصر دور الصيدلي على بيع الدواء فقط، بل هو المسؤول عن تأمين الدواء اللازم للعلاج، ومساعدة الطبيب في شفاء المريض بصرف الدواء الصحيح، والجرعات المحددة، والتحذير من أية آثار جانبية، ولابد للصيدلي أن يتقيد بما هو مدون في الوصفة، مع تقديم شرح كاف للمريض عن الدواء مثل كيفية تناوله، وعدد الجرعات، وما شابه، لأن المريض لا يعرف ما الذي يضر بصحته، وهذا ليس ذنبه.

كما أنه لا يحق لأي فرد ممارسة مهنة الصيدلة إلا بعد أن يمنح ترخيص مزاولة المهنة من وزارة الصحة، ويشترط أن يكون حائزاً على شهادة الصيدلة الأساسية، ومارس هذه المهنة لمدة لا تقل عن سنتين.

الدكتور خلدون حسون نقيب الصيادلة بيّن أنه لا يوجد صيدلي يبيع دواء لمرض خطير بناء على طلب المريض، أو تحت مسؤوليته، علماً أن هناك أدوية يصرح للصيدلي بوصفها وبيعها تسمى OTC تشمل أمراض السعال، والرشح، والأمراض البسيطة، وبحسب رأيه أكد أن محافظة السويداء هي من أكثر المحافظات التزاماً بشأن هذا الموضوع، علماً أن هناك تجاوزات قانونية كثيرة كبيع شهادات الصيدلية في باقي المحافظات، ولن ننسى أننا في ساحة حرب كان لها تأثيرها المباشر بانتشار الفوضى التي تحصل أحياناً ببيع الأدوية، وأشار إلى أن نسبة التجاوزات التي قد تحصل في السويداء لا تتجاوز 10%، وأضاف الدكتور حسون أن الدور أساسي للناس في محاربة هذه المشكلة، وذلك بالإبلاغ عن أي تجاوز يلاحظونه من أي صيدلي، وأكد حسون أن هدفه الأول هو وجميع الأطباء والصيادلة محاربة هذه الظاهرة، وحماية الناس والمهنة من أي تجاوز أو خطأ من خلال المحاضر، وجولات المراقبة التي يقومون بها، وعند تلقي أية شكوى يتم استدعاء الصيدلي إلى النقابة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.

 

لابد من حلول

وبالتأكيد الدواء سلاح ذو حدين، فقد يكون علاجاً للأمراض، وقد يكون سماً قاتلاً لعدم دراية الأشخاص الذين يبيعونه ويتعاملون به، ما يؤثر على المواطن الذي يكون الضحية الأولى، لذلك لابد من الالتزام بالقوانين والمعايير، ونشر الوعي الصحي بين المرضى وأفراد المجتمع، ومطالبة نقابة الصيادلة بمراقبة كافة صيدليات المحافظة، والقيام بجولات دائمة للتأكد من سلامة عملية بيع الدواء، والتأكد من شهادة العاملين بالصيدلية، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بحق كل من يخالف القانون، ويعرّض سلامة المواطنين للخطر.

أليس مرشد