اقتصادصحيفة البعث

الخصخصة بين القرارات والإجراءات

 

الخصخصة الاقتصادية كانت وما زالت محط تخوُّف وعدم رضى شرائح كبيرة من المجتمع السوري، المتمثلة بذوي الدخل المحدود وذوي الدخل المنخفض والمتوسط، نتيجة الإيجابيات الكبيرة التي لمسوها لعقود خلت من الحضور الفاعل لجميع المؤسسات الحكومية، بكافة أنواعها الخدمية والتجارية والإنتاجية، إلا أن الجديد الذي بدأ ظهوره منذ سنوات تجلَّى بأن الخصخصة مطروحة بدرجة ما، من بعض الأكاديميين الاقتصاديين، الذين صرحوا بذلك علناً، في جميع مشاركاتهم الفكرية عبر الإعلام وفي الندوات الاقتصادية، وبعض هؤلاء تبوؤا بعض المناصب الرسمية، باحتضان من بعض الرسميين الذين شجعوا ذلك ومارسوه ما استطاعوا على أرض الواقع، وتعمدوا تطبيق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي، من خلال إجراءات استندت على تفسيره بأنه ما هو إلا مقدمة لاقتصاد السوق الحر، متغافلين عن أهمية مفهوم التعددية الاقتصادية.

مدعاة للسرور أن كبار المسؤولين – ومنذ سنوات خلت – قدروا قناعة أو مسايرة رغبات الشريحة الكبرى من المواطنين، وصرحوا وما زالوا يصرِّحون بالصوت العالي “لا خصخصة للقطاع العام”، ولكن واقع الحال يظهر أن هذه التصريحات هي من باب القرارات الإدارية الصامتة؛ لأن الإجراءات الحكومية الناطقة لم تواكب هذه القرارات، بدليل ضعف النهوض بالقطاع الإنتاجي المتعثر، رغم الدعوات والوعود المتتالية بإصلاحه، وتعدد وتنوع مهام اللجان المتخصصة التي شكلت لعلاج وضعه، والمدد الزمنية المتاحة لها، بل تجرأ بعضهم وطرح بيع بعض المنشآت، ومن ثم تم الطرح الرسمي لمفهوم التشاركية مع القطاع الخاص فيما يخص بعض منشآت القطاع العام المتوقفة أو المتعثرة والقليلة الربح، وآخرون طرحوا عرض بعضها للاستثمار من مستثمرين محليين أو أجانب، والمؤسف أن أغلب المنشآت الإنتاجية ما زالت رهن حالة التوقف أو التعثر منذ سنوات خلت، والجديد الواجب الحدوث يكاد يكون معدوماً، بدليل أن القسم الأكبر من الميزانية مخصص للإنفاق الخدمي.

بالتوازي مع ذلك تمت بعض الإجراءات باتجاه الخصخصة، فمنذ سنوات خلت توقف العمل بالبطاقة التموينية المعهودة لمواد السكر والأرز والشاي، إذ انتهى العمل بهذه البطاقة نتيجة التخفيض التتابعي لكمية المواد التموينية المخصصة بموجبها، ومن ثم منعها كلية، وتوفيرها بالسعر الحر في السوق، وبعدئذٍ تم توقيف العمل بقسائم محروقات التدفئة، ونشهد الآن حجب استخدام البطاقة الذكية فيما يخص وقود التدفئة، والخلل واضح فيما يخص توزيع السلل الغذائية الإغاثية لغير مستحقيها على حساب مستحقيها الحقيقيين؛ ما تسبب في عرض الكثير منها للبيع في السوق السوداء، علماً أن أغلبها هو من رصيد الدعم من حساب الميزانية السورية.

والظاهرة المتصاعدة تتمثل بتنامٍ ملحوظ للمنشآت الخاصة، وتحديداً فيما يتعلق بالمواد والخدمات المعهودة الدعم، فالأفران الخاصة تزداد عدداً يوماً بعد يوم، وأغلبها يبيع بالسعر المخالف الذي يكاد يقارب ضعف السعر التمويني، بالترافق مع تخفيض لوزن الربطة بما يقارب 25% عن الوزن الرسمي، ومخصصات هذه الأفران تقتطع من مخصصات الأفران العامة، ومحطات الوقود الخاصة تزداد، وبعضها يتلاعب بالكمية، عدا عن مخالفات أخرى، ولا يوازي ذلك تنامٍ بمحطات الوقود الرسمية، التي تكاد تقتصر على محطة واحدة في كل محافظة، والمدارس الخاصة تزداد عدداً لكافة المراحل، وتلقى اتجاهاً متنامياً لها، نظراً للضعف المشكو منه في بعض المدارس الرسمية، واللافت للانتباه أن أغلبية رياض الأطفال (سن تأسيس الجيل من كافة النواحي) هي بين يدي القطاع الخاص، ولا زال توفر حليب الأطفال الرضع المجفف والمعلب رهن إنتاج وتوريد الشركات العالمية لنا وبأسعار خيالية جداً، دون أن يفكر قطاعنا العام أو الخاص بصناعته، والمشافي الخاصة تزداد، وتلقى إقبالاً كبيراً نتيجة إلزام العاملين في الدولة التداوي فيها من خلال تعاقدهم شبه الإلزامي مع شركات التأمين الخاصة، بل إن عدد الجمعيات الأهلية تزداد ويكاد يفوق الدور الاجتماعي لبعضها دور بعض المنظمات الرسمية، فهل من المأمول أن تتدارك السلطات الرسمية ذلك بالمزيد من استعادة حضور القطاع العام الإنتاجي والخدمي، والبدء بذلك عبر تخصيص مبالغ مالية لاستنهاض الشركات الإنتاجية، وإحداث أسطول نقل بري داخلي وبين المحافظات عائد للدولة ليخفف من أزمة النقل، وإعادة تنشيط دور شركة الطيران العربية السورية بعشرات الطائرات بدلاً من طائرة واحدة، مع التأكيد أن حضور القطاع الخاص حاجة وطنية، ومن حقه التشجيع والتسهيلات، ولكن ليس على حساب القطاع العام، ومصلحة المواطن.

عبد اللطيف عباس شعبان

عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية