اقتصادصحيفة البعث

سوق “بلا أنياب”.. لا عرض ولا طلب ولا أسعار!! العلامات التجارية المحلية تحضر في الأسواق وتغيب عند احتساب الأصول… ودعوة لإصدار تقارير حول أقواها وأغلاها

كثيراً ما يطغى اسم العلامة التجارية على اسم المنشأة، وعلى اسم مالكها نفسه، وهو أمر طبيعي في وقت باتت تشكل العلامة فيه رقماً مهما يعيه عالم الأعمال على نحو دقيق، ولاسيما عند احتساب قيم وأصول الشركات، إلا أنها ما زالت في الأسواق المحلية دون ذلك، ما شكل عائقاً عند تقييم هذه الأصول لأغراض طلب القروض المصرفية، ونقل الملكية بيعاً أو إرثاً، وهو أمر يؤرق، كما يربك، رجال الأعمال.

وتشغل حماية العلامة التجارية عادة بال التاجر والصناعي في كل مرحلة من مراحل عمر المنشأة، فالسطو عليها أو تقليدها، يعني أول ما يعني ضرب عائلة المنتجات، التي لطالما حظيت بالرعاية إنتاجاً وتطويراً، إلى أن شقت طريقها إلى أيدي المستهلكين، الذين هم الرافد الرئيس لمالية هذه المنشأة، وسبب نمائها واستمرارها في السوق.

لا تكاد تذكر..!

سوق العلامات المحلية يمكن وصفها بأنها سوق (بلا أنياب)، إذ ليس هناك عرض لبيع أي منها، ومن الطبيعي أيضاً غياب الطلب، الذي تغيب معه الأسعار، فلا أحد يعرف قيمة هذه العلامة أو تلك، كما لم يسبق لأحد أن باع أو اشترى، حسبما يقول مدير حماية الملكية التجارية والصناعية في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك سمير حسن، الذي لم يسمع بأية عمليات بيع تمت لأي من هذه العلامات.

فيما يشير عضو غرفة تجارة دمشق أيمن مولوي إلى أن الوسط التجاري عرف في العقود الأخيرة عمليات بيع وشراء علامات لا تكاد تذكر، وغالباً ما كانت تتم دونما قواعد أو ضوابط، إذ إن قيم العلامات فضفاضة وغير منضبطة، وهي غالباً ما تحدد بناء على عرض أو طلب قوي من البائع أو المشتري، فضلاً عن اعتبارات السوق والشهرة وقدم العلامة.

تنازع وتقاض..

جمود سوق العلامات، لا يعني عدم وجود تنازع على تقليد أو سرقة هذه العلامة أو تلك، وهناك الكثير من الدعاوى المحكومة بطول إجراءات التقاضي، التي قد تصل في حال القضاء المدني -وفقاً لحسن- إلى عدة سنوات، وإلى سنة أو سنتين في القضاء التجاري الأكثر تخصصاً وفهماً لطبيعة هذا العمل، والذي غالباً ما يستأنس بخبرات الوسط التجاري وأهل الاختصاص، ولاسيما شيوخ الكار، فهم يعرفون شهرة وحجم أغلب العلامات المحلية، ولاسيما أن الخسائر الناجمة عن عمليات سرقة أو تقليد العلامات تصل إلى مئات الملايين من الليرات السورية.

القانون رقم 8 لعام 2007 هو الناظم للعلامات التجارية الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج، وتنص المادة 61 منه على عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من 300 ألف إلى مليون ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من استعمل علامة فارقة تخص غيره عبر وضعها بسوء قصد على منتجاته أو خدماته، أو تقليد علامة، أو بيع وحيازة وتداول منتجات تحمل علامة مقلدة، أو صنع ونقش وحفر لوحات وأختام وطابعات تدل على علامة مسجلة.

حلول ودية..

تحل قضايا التنازع على العلامات في الغالب بشكل ودي وتصالحي، حسب مولوي، الذي سبق وأن اشترك في حل مثل هذه النزاعات، حيث إن بعض المتخاصمين يلجأ إلى الاستعانة بلجان تحكيم من غرف التجارة والصناعة، وتتألف اللجنة من ثلاثة أشخاص، واحد لكل طرف وثالث محكم، ويشترط لنجاح هذه اللجان قبول الطرفين المسبق بنتائج حكمها، والاختيار الأمثل لأعضائها. وليست هناك أية مبالغ محددة تلزم اللجنة الطرف المعتدي بدفعها، إذ إن كل حالة مرتبطة بظروفها وملابساتها، فقد يكون المبلغ في قضية عدة ملايين، وفي أخرى مئات الملايين.

تباشير..

انعكس بدء التعافي الاقتصادي وعودة الاستقرار على حركة تسجيل العلامات التجارية بشكل لافت، فخلال العام الفائت سجلت مديرية حماية الملكية في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك حوالى 6206 علامات، وبهذا يكون متوسط عدد العلامات الجديدة المسجلة شهرياً بحدود 517، والإيرادات المحققة جراء تسجيل العلامات المحلية حوالى 1,1 مليار ليرة، ومن التسجيل الدولي 1.7 مليون فرنك سويسري، كما سبق وذكر حسن. وبين مدير الملكية أن عدد العلامات المجددة وصل إلى 3606، علماً بأن العلامة تجدد تلقائياً كل عشر سنوات، كما وصل عدد الرسوم والنماذج الصناعية المسجلة والمجددة إلى 210، فيما وصل عدد طلبات البراءات إلى 148، وشهادات براءات الاختراع إلى 35، لافتاً إلى تلقي المديرية لـ57 شكوى، و172 دعوى، و1604 اعتراضات، متوقعاً أن يشهد العام الجاري تحسناً أكبر؛ لأن زيادة الطلب على العلامات مؤشر مهم على تعافٍ اقتصادي وحراك استثماري ملحوظ، ولاسيما مع إقبال الشركات الخارجية على العمل في السوق المحلية.

أهمية العلامة..

تعاظمت في سني ما قبل الأزمة قيمة العلامة التجارية لدى قطاع الأعمال، باعتبارها أحد الأصول المعنوية (غير الملموسة) للمنشأة، التي تمثل إلى جانب المادية (الملموسة)، القيمة الإجمالية لهذه المنشأة، وتكمن الوظيفة الرئيسة للعلامة التجارية في تمكين المستهلكين من تحديد منتج (سواء أكان سلعة أم خدمة) لشركة محددة لتمييزه عن سائر المنتجات المطابقة أو المشابهة التي يقدمها المنافسون. ومن المرجح أن يُقبل المستهلكون على شراء المنتج أو استعماله من جديد إذا ما نال رضاهم، ولهذا السبب ينبغي أن يكونوا قادرين على التمييز بين المنتجات المتطابقة أو المتشابهة.

وإذ تُمكن العلامات التجارية الشركات من أن تميز نفسها ومنتجاتها عن الشركات والمنتجات المنافسة لها، فإنها تضطلع بدور محوري في استراتيجيات الإعلان والتسويق التي تنتهجها الشركات، ما يسهم في تحديد صورة منتجات الشركة وسمعتها وشهرتها لدى العملاء والمستهلكين، وبفضل صورة الشركة وسمعتها تنشأ الثقة في نفوس هؤلاء، وتضمن ولاءهم.

ويرى نائب رئيس جمعية المحاسبين القانونيين لطفي السلامات أن تسجيل العلامات التجارية وتقديم الطلبات للحصول عليها، بات مؤشراً مهماً من جملة مؤشرات تدل على تعاظم النشاط الاقتصادي في البلاد، إلى جانب تنامي الوعي بأهمية وجود العلامة، ومن ثم المحافظة عليها بعد أن كثر التعدي على العلامات الشهيرة وسرقتها في بعض الأحيان، ولأن العلامة أصبحت تمثل بالنسبة للمنشأة قيمة اقتصادية وإعلامية وترويجية، خاصة عند الحديث عن تقييم أصول الشركات المعنوية، والتي تمثل العلامات التجارية إضافة لبراءات الاختراع والنماذج أشكالاً مهمة منها.

عالميا..

يؤكد عبد الوهاب أورفه لي، الذي يدير شركة نشطة في مجال العلاقات العامة والاستشارات والتدريب، أن أسواق العلامات التجارية في سورية والعالم العربي قد لا تكون قوية ومؤثرة، لكنها ليست كذلك حول العالم، إذ تصدر عديد الجهات والمراكز الموثوقة قوائم فصلية وسنوية بأغلى وأقوى العلامات كـ((فوربس)) و((إيربيان بزنس)) وغيرها، وذلك اعتماداً على جملة من المؤشرات أهمها الأداء المالي، القوة الاقتصادية، درجة ولاء المستخدمين، داعياً إلى أهمية إصدار مثل هذه التقرير في السوق المحلية.

وفي سباق أقوى عشر علامات لعام 2018، حلت (أبل) في المركز الأول بقيمة 214 مليار دولار، علماً بأنها أول شركة حول العالم تجتاز حاجز التريليون دولار من حيث قيمتها السوقية، فيما حلت (غوغل) ثانياً مسجلة 155 ملياراً، و(أمازون) ثالثا بـ101 مليار، وجاءت (مايكروسوفت) رابعاً بـ93 ملياراً، تلتها (كوكاكولا) خامساً بـ66 ملياراً، ثم سامسونغ سادساً بـ60 ملياراً، و(تويوتا) سابعاً بـ53 مليار دولار، و(مرسيدس) ثامناً بـ49 ملياراً، و(فيسبوك) تاسعاً بـ45 ملياراً، وعاشراً أتت (ماكدونالدز) عبر 43 مليار دولار.

هذه العلامات لا تسجل..

ترفض حماية الملكية تسجيل العلامات في بعض الحالات منها أسماء النوع: إذا تم اختيار كلمة (كرسي) كعلامة تجارية لبيع الكراسي، فإن العلامة سترفض؛ لأن كلمة كرسي هي اسم نوع المنتج. وصفات المنتج: وهي الكلمات المستخدمة عادة في التجارة لوصف المنتج مثال كلمة (حلو) كعلامة لتسويق نوع من الحلويات. والعلامات المضللة: وهي التي من المرجح أن تضلل المستهلكين أو تخدعهم فيما يتعلق بطبيعة المنتج أو جودته أو منشئه الجغرافي، فقد تكون العلامة لسمن نباتي، هي عبارة عن رسم بقرة؛ لأن ذلك يعتبر تضليلاً للمستهلك الذي من المرجح أن ترتبط في ذهنه العلامة بالألبان ومشتقاتها (الزبدة). والعلامات التي تعتبر مخالفة للنظام العام والآداب: لا يسمح عامة بتسجيل الكلمات والصور التي تعتبر منافية لقواعد الأخلاق التي يقبل بها الجميع. والشعارات والأعلام الخاصة بالدول والمنظمات الدولية والشعارات الدينية ورموز الهلال والصليب الأحمر، حيث لا يسمح بتسجيلها كعلامات تجارية. كما لا يجوز تسجيل العلامات المماثلة أو المشابهة للرموز ذات الصبغة الدينية البحتة والأسماء والأماكن المقدسة.

أحمد العمار