ثقافةصحيفة البعث

عشــــق عالـــــي الســــعرات

 

كان الصيف قد حل مبكرا في غرب البلاد على غير العادة، والشوارع التي فرغت بفعل البرد والأمطار قد عادت لتلتهب تحت أرجل المارة والصبية المنتشرين هنا وهناك كنوع من البروتوكولات العفوية التي دأبنا مشاهدتها أول كل صيف.
قصدت المطعم مساء ذلك اليوم متحمسا لوجبة غنية بالبروتينات والزيوت المضرة بالصحة، كان قرارا مسبقا كي لا أموت وفي قلبي ذلك الشوق للممنوعات الحديثة والغالية الثمن.
قطع الجبن المقلي.. الدجاج المقرمش مع التوابل.. لحم ضان مع السمن المهدرج.. الخبز المحمص مع الثوم.. كل ذلك وأكثر.
ما لفت انتباهي فعلا كان النادلة سونيا التي أظهرت اهتماما بالغا في وصف الأطباق ولذتها، حيث أعطتني انطباعا بأن تناول كل طبق منها سيشعرني بدخول الجنة، وأنا فعلا قد استمعت لوصفها الدقيق واقتنعت تماما.
أخذت تضع تلك الأطباق أمامي وأنا أترقبها كهر سيقدم على التهام الطعام ولكنه يشعر بالخوف في قرارة نفسه، فيما نظراتي ترنو إليها كي أقنع نفسي بالمزيد أكثر وأكثر.
ناهزت السابعة والستين من العمر وبعض الأشهر، لم أتجرأ يوما على مخالفة القوانين والقواعد العامة، فكيف تلك التي وضعتها بنفسي ولنفسي، لا فرق، ها أنا ذا أكرر أخطاء من سبقوني إلى اللحد، من المؤكد أنهم استمتعوا بآخر وجباتهم الممنوعة إذا ما قرروا خرق الحدود والمحظورات.
ناديت للآنسة بعد أن تناولت معظم الأطباق ولو زاد عني القليل، ثم طلبت حساب المطعم وكتبت رقم هاتفي الخاص على منديل وأعطيته للسيدة سونيا كنوع من الاستعداد للوجبة القادمة.
لا أشك مطلقا أن تناول اللحمة الحمراء قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، ولكني مصدوم حقا من الذين يكثرون منها ويتمتعون بصحة ممتازة وعمر مديد.
قالت لي سونيا ذات مرة: إن حبك هذا سيقتلك حتما، فأنا أتابع مقالاتك في الصحف يوميا وأرى أن تكف عن ملاحقتي بهذه الطريقة، هل فكرت مثلاً برحلة صيد خارج المدينة، أو الانتقال إلى مدينة أخرى أكثر صخباً، التهي بأي شيء يا أخي.
لكني لم اعر كلامها أي اهتمام، واتبعت خطة اللحمة الحمراء والدسم، لن أموت من جرعات عشقها الزائدة، بل على العكس تماما، ستزداد روحي تألقا ونشاطا.. هكذا قلت لنفسي قبل ساعة واحدة من نقلي إلى المستشفى وحشري في غرفة العناية المركزة لإحيائي من جديد.
انتظرت أمي طيلة يومين حتى سمحوا لها بدخول الغرفة.. اقتربت مني كثيرا حتى شحمة أذني وقالت:
أنت تسمعني صحيح!؟ أشرت لها بعيني، أكملت: انظر يا بني، أنت تعلم أن الأزمات القلبية هي نتيجة وراثة أو حالة دخيلة نتيجة لسوء التغذية، أما أنت فلا دليل واضح على الوراثة، إذاً ما سبب ذلك؟ أنا اعلم السبب، ولكنك مصر على أن الحب لن يضرك أبدا، وهذا خطأ، وبالفعل هناك قلوب لا تحتمل، لأن هذه القلوب تحتاج إلى الراحة والاستقرار حتى تكمل عملها بشكل سليم.. إن الحب الذي يجلب معه التعاسة والألم لن يولّد سوى الأمراض والأوجاع، وعلى العكس تماما، فإن الحب الذي يشعرك براحة البال والفرح هو ذاته سيطيل من عمرك، فالحب إما قاتل لئيم أو مداو رحيم.. سكتت قليلا ثم أردفت: ابتعد عن اللحوم والدهون يا ولدي.. ابتعد.

المثنى علوش