ثقافةصحيفة البعث

“يوم ارتقى الشهداء رحلة الذات إلى الذات” رسالة شهداء سورية إلى العالم

 

“تغيّر بنيان وغيّرني معه، وسيغيّر هو ومن مثله هذا الوطن.. وربما الكون” هذه المفردات خطّتها أم الشهيد سهيلة العجي أم بنيان ليس بالأحبار وإنما بدماء القلب ونزيف الروح ووجع الفراق وأنين الحنين إلى قطعة من روحها نبضت برحمها رحم سورية التي تنجب الأبطال في أول مدوّنة حرب صادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب ضمن مشروع توثيق ذاكرة الوطن وشهداء الحرب الإرهابية الذين فاقوا بتضحياتهم وصمودهم كل وصف، لتتساءَل أم بنيان في نهاية المدوّنة “كم بنيان قضى في هذه الحرب الطويلة؟ وكم شخص عرف بنيان ونظراءَه حق معرفتهم؟ ويا ترى هل يستحق من بقي تضحيات من رحل؟. لتيجيب بنعم وتنهي المدوّنة التي حفلت بكثير من الأسئلة الكونية والوجودية والفلسفية والحواريات بين الأديان على قدسية الشهادة، فسورية هي السرّ الإلهي لكل سوري آمن بها.
يوم “ارتقى الشهداء.. رحلة الذات إلى الذات” كانت محور الندوة التي أقامتها الهيئة العامة السورية للكتاب بالتعاون مع المركز الثقافي العربي –أبو رمانة بمشاركة ا الإعلامية سلوى عباس والأديب أيمن الحسن بإدارة الإعلامية إلهام سلطان، وكانت هذه المدوّنة موضع تحليل ونقد وجدل بين الحاضرين إذ لم تصنف من قبل الهيئة على أنها رواية، وطال الجدل مقص الرقابة الذي حذف منها، وبقي الحب الكبير لسورية. استهلت الندوة إلهام سلطان بالحديث عن شهداء مشفى الكيندي في حلب، ولم تقم بإدارة الندوة فقط وإنما أخذت دور السارد مقتطفات من المدوّنة كفواصل بين المشاركين والمفاصل الهامة.

قضية عادلة
بدأت الإعلامية سلوى عباس مداخلتها من مقولة بنيان وهو ذاهب إلى منازلة الموت” سأكتب بدمي شهادة ميلادي لأعيش كما أريد ولن أبالي” محللة بلغة شفافة رواية أم الشهيد معبّرة بصوتها عن آلامها التي تجاوزتها وجعلتها تخرج من ثياب الحداد إلى الأم والابن إلى سورية، متخذة من أم بنيان حالة تنسحب على أمهات الشهداء وعلى قدر سورية بأن تواجه الحروب عبْر تاريخها النضالي، وعن قوافل الشهداء من كل الأعمار الذين يرتقون كل يوم، فترى أن أم الشهيد اختصرت أبجديات اللغات، وجعلت من صبرها غمامة بهاء الحياة تحيينا من مواتنا، ودخلت في تفاصيل المدوّنة باستحضار ذاكرة أم بنيان تفاصيل حياة ابنها متوقفة عند الحد الفاصل للقدر الذي لم يمهلها لترى مستقبله كما حلمت به، لأنه اختار الوطن، وقرأت مقتطفات من المدوّنة، لتتوقف عند مقولة أم بنيان التي اختصرت فيها مشاعرها وتجلت بها قدرتها على الصبر والحب “أنا سعيدة باستشهاد ابني، وأقرّ أنه في المكان المناسب وذهب إلى المكان الصحيح وضحى في سبيل قضية أكثر من عادلة”.
شهداء من كل الطوائف
الأديب أيمن الحسن تحدث عن اهتمام هيئة الكتاب واتحاد كتّاب العرب بمشروع مدوّنة حرب التي توثق بطولات شهداء الوطن، منوّهاً إلى اهتمام د. ثائر زين الدين بهذه المدوّنة التي وثّقت حكاية بطل مستحضراً ما كتبته أم البنيان: “اشتقت لأضمه إلى صدري فأشم رائحته وأحس بنبض قلبه” ليتحدث عن قصة استشهاد البطل بنيان مع رفاقه الذين استعارت أم البنيان وصفهم من القرآن الكريم “أحد عشر كوكباً” وكانوا من مختلف مناطق سورية صمدوا في الحصار رغم الذخيرة القليلة إلى أن طالتهم يد الغدر بتفجير مشفى الكيندي بشاحنة محمّلة بالمتفجرات.
بدأ الحسن من العنوان الذي تغيّر من أنبياء بعد الرسالة إلى أحد عشر كوكباً إلى أن استقر على “يوم ارتقى الشهداء رحلة الذات إلى الذات”، ليصل إلى المدوّنة التي تُركت بلا تجنيس أدبي فلم يكتب على الغلاف رواية، مبيّناً أن ذلك لاينقص من قيمتها تاركاً للقراء تصنيفها، ليعود إلى النص الذي سطرته كاتبة غير محترفة وأنه بالنقد الأدبي الحديث أرفع مرتبة من أي جنس أدبي، وليس من شكل أدبي معتمد للرواية التي هي شكل أدبي تتلى على امتداد زمني وحضور شخصيات متعددة، وقد يتأمل الروائي أو يستشرف أو يسترجع من ومضات الفلاش باك، ونحن إزاء هذا الشكل المقدم من خلال الجريمة النكراء بحق هؤلاء الشهداء وبحق الوطن، وتوقف عند سمة تقديم الحدث للكاتبة بإطلالة فلسفية مثل لجوئها إلى العراف الذي قال لها “لديك ابن سيسمع به الشرق والغرب” مستعينة بالماورائيات والإصغاء إلى العرافين لاجتناب المآسي، وهذه الوقفات تشكّل فسحات من الأحداث القاسية وتضيف معرفة للقارئ، لينتقل إلى استلهام تأملاتها من الأديان.

فيلم سينمائي
الأمر الهام هو لعبة الكاتبة مع الزمن الروائي كما ذكر الحسن وبقدرتها على مسك الزمن فلم تكن الأحداث متسلسلة، وإنما تمت وفق تداعيات مشهدية مما يغري بتحويل المدونة إلى فيلم سينمائي.
ومن خلال التحليل السردي والنقدي بيّن الحسن تصميم بنيان على التضحية بذكر الحوار الذي ورد في المدوّنة بينه وبين أستاذه بكلية الهندسة العسكرية ورفض بيان العودة إلى الكلية من أجل الوطن، ليخلص إلى أن المدوّنة توثق رسالة سورية للعالم من كل محافظاتها وطوائفها.

كشف المستور
أما أم البينان فبيّنت بأنها لم تفكر يوماً أن تكتب رواية، ولم تتناول الشهادة من زاوية واقعية أو سردية أو من الأحداث الميدانية، لأنها تقصدت فتح الأبواب وإثارة أسئلة وجودية عن الإنسان من أين وإلى أين؟ وما هو الوطن؟ أسئلة طرحتها أم شهيد لم تحصل على جثمانه ولم تجد إجابة عنها، تاركة مصطلحات لم تشرحها لتشرك القارئ بالبحث عنها وليستنبط الحكمة من تساؤلاتها، لتنهي كلامها بأن سورية باقية وأن الحرب كشفت المستور وبيّنت الألوان، والشهداء هم الخالدون وهم حراس في السماء.

ابن سورية الأكبر
الأب إلياس زحلاوي أصر أن يحضر الندوة وإطلاق المدوّنة وتحدث مطولاً عن انتصار سورية، وعن ابن سورية الأكبر السيد المسيح عليه السلام أعظم شهيد في التاريخ رابطاً بين آلام السيد المسيح وآلام سورية، وأن الشهداء في سورية والشرق إخوة السيد المسيح عليه السلام.
وحظيت الندوة بمداخلات متعددة منها ما قاله المستشار رشيد موعد عن بنيان الذي آثر الشهادة على متابعة دراسته وخدمة وطنه من موقع آخر، ورأى الباحث مازن ستوت أن هذه المدوّنة يجب أن تستكمل لتسطر ملاحم من بطولات شهداء الغوطة ودير الزور وكل جغرافية سورية. كما أكد إبراهيم الغزي على اختلاط الدم السوري بالدم الفلسطيني، وأثنى الأديب عمر جمعة على أهمية مشروع توثيق سيرة الشهداء كي لا يصبحوا طي النسيان مستحضراً رواية دفاتر الزيتية لأيمن الحسن.

مقص الرقابة
أما الشاعر كمال سحيم فتساءل لماذا لا تصنف المدنة كرواية، ورأى أنها أول رواية تجسد واقع الحرب السورية ومحور المقاومة، وهي تمثل حالة جديدة من الإبداع لامرأة لم تمسك القلم ولم تتدرج ببناء التخيل الفكري للروائيين الذين يضعون الهيكل الرئيس للرواية، وتوقف عند تغيير العنوان وحذف بعض المقاطع فخسرت الرواية من حمولاتها الفكرية التي تنم عن ثقافة الكاتبة.

الأيقونة
كثيرون وصفوا أم البنيان بالسنديانة والأيقونة، ويبقى الأجمل ما ختمت به العميد وفيقة زاهر رئيسة سيدات سورية الخير “كل ما نقدمه لا يعد شيئاً إزاء ما تقدمه أم الشهيد”.
ملده شويكاني