دراساتصحيفة البعث

ماذا في جعبة ماكرون؟

سمر سامي السمارة

مجموعة من العوامل، شكّلت الوضع الجيوسياسي الحالي لفرنسا، فقد سعت باريس، بصفتها أحد الأطراف الفاعلة، لتصبح رائدة أوروبية في مواجهة سياسة تركيا التوسعية في المنطقة، وأصبحت العلاقات بين البلدين أكثر تعقيداً، وخاصة مع انتهاك القانون الدولي، وتضاؤل ​​دور واشنطن، لذلك قرّر ماكرون استغلال اللحظة والانتقال إلى هجوم جيواستراتيجي.

وتظهر المعطيات أنه من خلال تحول كهذا نحو سياسة خارجية نشطة ومستقلة، يهدف ماكرون – إلى حدّ كبير – لردع تركيا، الأمر الذي يمكننا ملاحظته في إطار النزاع الليبي، حيث تميل باريس إلى دعم حكومة طبرق في إطار تحالف دولي يضمّ مصر والإمارات، إضافة إلى ذلك أبرمت فرنسا اتفاقية تعاون أمني مع قبرص، وأصبحت سارية المفعول في الأول من شهر آب الحالي، كما وقعت مؤخراً مصر واليونان اتفاقية في القاهرة لترسيم حدودهما البحرية وإنشاء منطقة اقتصادية خالصة. وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أنه ونظراً للتعاون الوثيق بين أعضاء الشراكة المتوسطية الثلاثية مصر واليونان وفرنسا، فإن تركيا تخاطر بالبقاء معزولة في السنوات القليلة المقبلة، لذا سوف تسعى لتقوية المعارضة وبذل مزيد من الجهود لزعزعة استقرار هذا التحالف المحتمل.

تتحدّد طبيعة التوجّه الثاني الجديد للسياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة، في معظمها، من خلال سياسة ماكرون الانتهازية وزيارته التي تمثّل زيادة غير مسبوقة في نفوذها في لبنان.

ارتبط لبنان تاريخياً بعلاقات وثيقة مع فرنسا، فبعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وافقت عصبة الأمم في عام 1923 على الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان. وعلى الرغم من أن الانتداب ظل ساري المفعول حتى عام 1943، إلا أن الجيش الفرنسي لم يغادر الأراضي السورية واللبنانية لغاية عام 1946، واحتفظت فرنسا بنفوذ كبير في لبنان. أدّت الانفجارات الكبيرة التي وقعت في الرابع من هذا الشهر، في ميناء العاصمة اللبنانية بيروت، إلى عواقب مروعة على البلاد، بما في ذلك المزيد من تدهور الوضع الاقتصادي، الذي أضعفها بشكل كبير، خاصة وأنه كان لجائحة كورونا أثرها الكبير أيضاً. ولا يعني هذا أنه قبل تفشي الوباء والانفجارات التي حدثت في بيروت كان الوضع على أحسن حال، إذ يعيش نحو 50٪ من سكان البلاد تحت خط الفقر، وقد وصل معدل البطالة إلى 35٪.

في 7 آب، طار ماكرون لزيارة بيروت، وبعد زيارته للمناطق الأكثر تضرراً، التقى بالرئيس اللبناني ميشال عون. وفي بيانه، قال: إن ما لا يقل عن 50 مواطناً فرنسياً أصيبوا أيضاً في الانفجار، وأعلن أيضاً عن المساعدة الإنسانية المقدمة للبنان. إضافة إلى ذلك، أشرفت فرنسا على إيصال المساعدات الدولية إلى المناطق المتضررة. وبعد ذلك تمّ تنظيم “مؤتمر دعم دولي لبيروت والشعب اللبناني بهدف الحصول على تمويل دولي من الأوروبيين والأمريكيين وكل دول المنطقة وخارجها من أجل توفير الأدوية والرعاية والطعام ومستلزمات البناء”. وبحسب الرئيس الفرنسي، ستكون فرنسا حاضرة لتنظيم المساعدات الدولية إلى جانب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وبدعم من البنك الدولي، لكن واقع الحال يشير إلى أن ماكرون وهو في طريقه إلى بيروت لم يكن يحمل مساعدات إنسانية فحسب، بل كان يحمل “ميثاقاً سياسياً جديداً”، و”صفقة سياسية جديدة” طرحها على القيادة اللبنانية، مؤكداً أنه سيطالب السلطات بالمساءلة وأنه سيعود في الأول من أيلول، وإذا لم يتمّ تنفيذ “الاتفاق السياسي” المقترح، فسيضطر إلى اتخاذ إجراءات!.

في الحقيقة، فتحت كلمات ماكرون الباب أمام تكهنات حول كيفية استفادة فرنسا من أزمة لبنان سياسياً واقتصادياً، وتراوح الحديث عن هذا بين اتهام فرنسا بالاستغلال و”الصيد في المياه العكرة”، وبين القول إن هذه قوانين الدبلوماسية وأحكام السياسيين، وهنا يمكننا القول: إن القادم من الأيام هو الكفيل بكشف حقيقة زيارة ماكرون إلى بيروت.