دراساتصحيفة البعث

من هو جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي القادم؟

ترجمة وإعداد: علاء العطار

يؤكد جيك سوليفان أن هاري ترومان، رئيس الولايات المتحدة الثالث والثلاثين، “بطله السياسي ومصدر إلهامه”، وهذا يثير تساؤلاً غامضاً للغاية، إذ كان بإمكانه اختيار أي شخص من كليوباترا إلى كلينتون، لكنه اختار أمكر شخصية أنتجتها سياسات “الآلة” السرية في مدينة كانساس، ونموذج الصقور الليبرالي، وهذا أمرٌ ينبئ بأمور كثيرة عن شخص سوليفان، حتى إنه أمر مقلق للغاية. “اقضوا عليهم” هي عبارة قالها هاري ترومان قبيل أن يأمر بإسقاط قنبلتين ذريتين على الأطفال دون داع، وأخطأ بفداحة في خطاباته الحمقاء ليتسبّب في حرب باردة كادت أن تنهي العالم في أكثر من مناسبة.

حتى الآن، لم يحظَ مستشار الأمن القومي الوافد بنصف الاهتمام الذي يستحقه، وعلى الرغم من سيل انتقادات الرئيس المنتخب جو بايدن للأمن القومي، ظلت معظم عيون وسائل الإعلام مثبتة على ميشيل فلورنوي، المرشحة الأولى التي لم يعلن عنها بعد لمنصب أول وزيرة دفاع أمريكية، وركزت بقية اهتمامها، وإن كان بدرجة أقل، على وزير الخارجية القادم أنطوني بلينكين. لكن جيك سوليفان هو المرشح الأبرز ليكون أكثر الصقور تطرفاً في الإدارة الجديدة، ونظراً إلى سجله، هذا أمر أكيد.

من هو جيك سوليفان؟

بحلول كانون الثاني، سيصبح سوليفان البالغ من العمر 43 عاماً أصغر مستشار للأمن القومي منذ حوالي 60 عاماً. ومع ذلك، بدا صعود جيك الملفت وكأنه أمر محتوم في عيون من يعرفونه. قالت سارة راثكي، إحدى أقدم أصدقائه، عن أيامه الأولى: “عندما ألتفت إلى الوراء لأنظر إلى كل ما فعله خلال تلك السنين، يتضح لي أنه كان دوماً يخطّط لشيء ما”. مع ذلك، هناك خطب ما بهذا الرجل، أمر يصعب تحديده وكشفه، لكنه مثير للقلق، فلم تمضِ أيام معدودات على مباركة بايدن له حتى أحاط به غموض عميق، لذا من الواضح أن جيك يستحق أن نقلق بشأنه.

بصورة خاصة، هناك ثلاثة عناصر مقلقة في أحجية سوليفان بدرجة تكفي لدق ناقوس الخطر، وهي: شخصيته وفلسفته وسياساته.

جيك سوليفان نموذج عن صنوان بايدن، إذ انبثق من رابطة آيفي (في جامعة ييل)، وتدرّب مع إيمي كلوبوشار، إحدى عضوات الكونغرس، وعيّن في مناصب متوسطة المستوى في فريق السياسة الخارجية في عهد باراك أوباما (نائب رئيس هيئة موظفي الوزيرة هيلاري كلينتون وكبير مساعدي نائب الرئيس بايدن الأمني)، ثم انضم إلى شركة استشارية اسمها “ماكرو أدفايسري بارتنرز”، وكان زميلاً بارزاً في مؤسسة فكرية تموّلها صناعة الحرب، وهي مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي التي تمولها 10 وكالات عسكرية منفصلة ومتعهدون في مجال الدفاع، وتزوج امرأة مشاركة في اللعبة السياسية نفسها، وهي مارغريت غودلاندر، التي كانت ذات مرة مستشارة للسيناتورين جو ليبرمان وجون ماكين المتشدّدين، وعملت سابقاً في مجلس العلاقات الخارجية ومركز الأمن الأمريكي الجديد -ثاني أكبر مركز أبحاث يتلقى تمويلاً سخياً من الحكومة وصناعة الدفاع- ومع ذلك، تبدأ قصة سوليفان في وقت أبكر من ذلك في جنوب غرب مينيابوليس.

وُلد سوليفان في مدينة فيرمونت، وانتقل في الصف الرابع إلى مينيسوتا. حقّقت له موهبته واندفاعه النجاح في سن مبكرة، وكان في المدرسة الثانوية رئيس مجلس الطلاب، ورئيس تحرير صحيفة المدرسة. تتذكر صديقته سارة أنه كان مفتوناً أيام مراهقته بشكل غير عادي بخطاب “المجتمع العظيم” الذي ألقاه ليندون جونسون في جامعة ميشيغان. من الملائم إذن أن يشابه سوليفان بشكل لافت للنظر “أفضل وأذكى” الذين عيّنهم جون إف كينيدي واحتفظت بهم إدارة ليندون جونسون، ومثله كمثل محلّلي مؤسسة راند الفكرية الذين أحضرهم وزير الدفاع آنذاك روبرت ماكنمارا إلى البنتاغون، إذ سرعان ما مثّل جيك الجانب المظلم من التدخل الديمقراطي، ومثله كمثل هؤلاء الخبيثين الماكرين الذين أداروا وخطّطوا لحرب فيتنام، إذ إنه سيخطّط ويهلّل ويدير الحروب التي لم يفكر قط في أنه سيتحضر لها يوماً، ولا تبدو أنها قد خطرت بباله.

النظرية والحجج والتحليل هي ما يبرع بها جيك ويعرفها جيداً، إذ كان بطلاً في المناظرة في الثانوية وفي جامعة ييل، واحتل المركز الثاني في بطولة العالم للمناظرات لاحقاً في منحة رودس في جامعة أكسفورد، ثم عاد إلى جامعة ييل ليدرس في كلية الحقوق، وتخرج في عام 2003، حين كان أكثر من مائة ألف أمريكي في سنه وأصغره يتدفقون إلى مستنقع حرب العراق الذي لم ينته كلياً.

وفي أواخر عام 2006، عمل جيك كمستشار رئيسي للسيناتور عن ولاية مينيسوتا إيمي كلوبوشار، وهي التي قدّمته إلى هيلاري كلينتون. وفي غضون عامين، كان يستعد للمناظرات الرئاسية التمهيدية لوزيرة الخارجية المستقبلية في عام 2008.

عاد جيك إلى معسكر كلينتون بعد انتصار أوباما -في البداية كنائب لرئيس الأركان، ثم في الرابعة والثلاثين من عمره، كأصغر مدير لتخطيط السياسات في تاريخ وزارة الخارجية-. وخلال الولاية الأولى لأوباما، كان جيك متفائلاً بشأن التدخل العسكري في ليبيا وسورية، وعارض مثل هيلاري مناشدات السفير ريتشارد هولبروك للتحدث إلى طالبان على الأقل دون شروط مسبقة. كان سوليفان في الغرفة حين أصيب هولبروك بنوبة قلبية وهو يقدّم حججاً ملتهبة حول هذه القضية بالذات. كان هولبروك، الذي وافته المنية بعد بضعة أيام، محقاً حيث أخطأ أوباما وكلينتون وسوليفان، كما ثبت لاحقاً.

لا أحد يعلم عدد الأفغان الذين لقوا حتفهم جراء القنابل التي ألقيت بفعل قرارهم المشؤوم، لكن الأمر كان مفتاحاً لنجاح جيك وصعوده في سلم الترقي، ففي عام 2013، عُرض عليه وظيفة كمستشار للأمن القومي لنائب الرئيس آنذاك، جو بايدن.

شخصيته: مخاطر الطموح

بعد أن غادر أوباما منصبه وخسرت هيلاري في عام 2016، استقر سوليفان في عهد ترامب في مركز الأبحاث وعوالم الاستشارات الاستراتيجية، وحصل على زمالة رفيعة المستوى في مؤسسة كارنيغي، وعمل أيضاً في شركة “ماكرو أدفايسري بارتنرز” التي حقّقت إيرادات بلغت 37 مليون دولار خلال عام 2019. وانضم إلى شركة الاستشارات البريطانية السابقة للتجسّس في الشهر نفسه الذي تنحى فيه أوباما.

ونشط سوليفان في بعض الأعمال الاستشارية رفيعة المستوى مؤخراً في أوائل عام 2020، ثم أمضى عدة أشهر في تمثيل شركة أوبر في مفاوضات عدائية مع النقابات العمالية، باحثاً عن بديل لتشريع قانون الجمعية رقم 5 في ولاية كاليفورنيا، آملاً في مساعدة الشركة التي يبلغ رأسمالها 61 مليار دولار في تجنّب توسيع الفوائد لمقاوليها. في وقت مبكر من توليه المنصب، تبادل جيك أيضاً بعض المعلومات الداخلية من خلال تقديم خدمات التنبؤ للشركات، على سبيل المثال، استخدم المعلومات التي حصل عليها من المفاوضات النووية الإيرانية لمساعدة الشركات على الاستفادة من الاقتصاد الإيراني الذي افتتح حديثاً، استناداً لمجلة “ذي أميريكان بروسبكت”.

لا أحد ينكر أن تبديل أدوار العمل هذا أصعب من تتبع نموذج المدرسة القديمة العلني الذي اعتمده ترامب حين عيّن مارك إسبر قائماً بأعمال وزارة الدفاع بالإنابة. لكن عمل ماكرو أدفايسري ليس أقل فساداً أو أقل تواطؤاً في صناعة الدفاع. بالمناسبة، إضافة إلى عمله كـ”حارس بوابة” السياسة الخارجية لبايدن خلال الحملة الانتخابية، كان سوليفان أيضاً في فريق السياسة الاقتصادية لبايدن.

بوجه عام، ينسب سوليفان الفضل في بعض نجاحه المهني على الأقل إلى مهارات التعامل مع الآخرين والسلوك الناشئ عن التهذيب النابع من الصورة النمطية المشهورة في ولاية مينيسوتا. لكن حتى هنا، ينشئ جيك تحوطات غريبة ويعترف بموقفه الوصولي الذي يعطي الأولوية للترقية على حساب زملائه. ففي عام 2015، قال لصحيفة “مِن بوست”: إن “الدرس الأساسي ألا تكون أحمقاً”، ولكنه بعد ذلك أخذ يتقلّب بين الدوافع الطموحة والإنسانية بالقول: “بالطبع، من الصواب أن تكون صالحاً وتهتم بجارك وزملائك والأقل حظاً منك، لكنني وجدت أيضاً أنك إن كنت ترغب في التقدم في حياتك المهنية وإحداث تأثير، فإنك بحاجة إلى أشخاص تعدّهم أبطالاً، وهذا يعني أن تُظهر لهم أنك لست منخرطاً في ذلك لتحقيق مصالحك الشخصية”.

في الواقع، نشأ صعود جيك إلى حدّ كبير من ربط مصيره بوزيرة الخارجية كلينتون، إذ بات الاثنان لا ينفصلان وسافرا معاً إلى أكثر من 100 دولة، حتى إنها طلبت من سوليفان مراجعة فصول كتابها “الخيارات الصعبة”، الذي وصفته فيه كلينتون بأنه “حصيف وجاد ومتقد الذكاء”.

ومن الناحية العسكرية، لا يختلف سوليفان عن ديفيد بترايوس من حيث أنه يربط مصيره بكبار الجنرالات. مثل هؤلاء المتملقين موجود في كل مكان في الحياة العسكرية، حتى إن الشخصية الخيالية للرواية الشعبية “كورتني ماسينغيل” دخلت المعجم العسكري، ويبدو جيك “كزوج ماسينغيل”، ربما لهذا السبب وصفته آن ماري سلاوتر، التي أدارت مكتب تخطيط السياسات بوزارة الخارجية في ولاية أوباما الأولى، بأنه “المطلع البارع”.

يبرع سوليفان بشكل خاص في أمر واحد، هو توقع رغبات واحتياجات رئيسه، فيجعل نفسه بالتالي رجلاً لا غنى عنه. تأمل النصيحة التي قدّمها الدبلوماسي هولبروك للنائب الجديد لوزيرة الخارجية في عام 2010: “دعني أخبرك أمراً، الشخص الوحيد الذي تحتاج إلى معرفته، والذي يحبه الجميع في الحكومة وينجز الأمور، هو جيك سوليفان”.

إن مستشار الأمن القومي الأمريكي القادم تكنوقراطي بالتأكيد، لكن طموحه أن يبلغ القمة، فعندما كان يسافر حول العالم مع الوزيرة كلينتون، قالت إنها تحدثت مع قادة العالم الذين يريدون “مقابلة رئيس مستقبلي محتمل للولايات المتحدة، وهم يقصدون جيك بالطبع”.

إذا كان طموحه يبدو لك وقحاً إلى حدّ ما، فإن نظرة واحدة على فلسفته الشخصية ورأيه عن الاستثنائية والوطنية الأمريكية هو أمر يعريه أكثر من ذلك.

فلسفته

كتب جيك دعوات واضحة حول “إنقاذ” و”استعادة” الاستثنائية الأمريكية، وهي وهم تسبّب بكثير من المشكلات المعاصرة. تستحضر مقالته في صحيفة “ذي أتلانتيك” في عام 2019 اقتباساً لآينشتاين مشكوك في صحته: “الجنون هو أن تكرّر فعل الشيء نفسه مراراً وتتوقع نتائج مختلفة”. أكد سوليفان في مقالته أن “كل شيء مطروح للنقاش عندما يتعلّق الأمر بالهدف الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية”، كل شيء باستثناء “الاستثنائية الأمريكية”، التي يجادل جيك بأنها “أساس القيادة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين”.

هذا ليس مجرد كلام منمّق، فسوليفان يزاوج بين النظرية والتطبيق، لكن المشكلة أن نظريته خاطئة كلياً، بل ساذجة لدرجة صادمة ومرتكزة على قراءة خاطئة وشائنة للتاريخ. في مقابلة أجرتها معه مجلة “نيويوركر” عام 2019، افترض جيك وجود ثلاثة أسباب تجعل أمريكا استثنائية، وهو افتراض يجعل أي باحث جاد يسخر من كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة القابلة للدحض.

أولاً، يقول جيك إن الولايات المتحدة “فريدة من حيث إنها تأسست على فكرة، وليس على أرض أو قبيلة، وعلى الطموح، والإحساس بحقوق الإنسان والحريات”، إذن فلنسأل المكسيكيين أو تلك “القبائل” الأصلية التي احتلت “أراضيها” نيابة عن تلك “الفكرة” حول “الإحساس الأمريكي بحقوق الإنسان”؟.

ثانياً، يعتقد سوليفان أن “السياسة الخارجية الأمريكية، على عكس غيرها عبر التاريخ، أتت أكلها، ولم تعتمد على فكرة عالم تحكمه الوحوش، طالما أنك الوحش الأشرس”. في الواقع، تنبثق مشاعر غريبة من الهيمنة المفرطة في الولايات المتحدة، إذ إن لديها 800 قاعدة عسكرية منتشرة في 80 دولة على الأقل، لذا حريّ بجيك أن يقرأ قائمة للمؤلفات الحديثة التي تتحدث عن الإمبراطورية الأمريكية قبل أن يتفوّه بكلام كهذا. مثلاً: كتاب أنطوني هوبكنز “الإمبراطورية الأمريكية” (2018)، وكتاب دانيال إمرفار “كيف تخفي إمبراطورية” (2019)، إلى جانب مؤلفات أخرى.

ثالثاً، يقدّم جيك تقييماً لدور أمريكا العالمي، وهو تقييم لا يراعي الفروق الدقيقة، وقد يبدو دون مستوى ذكائه وتعليمه، وكان يريد به أن يجعلك تصدّق بأن أمريكا “أمة تحلّ مشكلات عالم مليء بالمشكلات”. وهذا في أحسن الأحوال كلام ساذج غائب عن أي إحساس حقيقي بالتاريخ الحديث، فبمجرد أن ينظر المرء إلى سجله في الخدمة العامة منذ تخرجه من جامعة ييل في العام الذي احتلت فيه أمريكا العراق، تراوده شكوك بأن هناك أمراً بغيضاً يجري في الخفاء. والواقع يقول إن الأمريكيين فاشلون في حلّ المشكلات في عالم مليء بمشكلات هم من تسبّب بمعظمها، ولاسيما منذ أحداث 11 أيلول.

من منطقة غرب الساحل الأفريقي إلى ليبيا ثم الصومال فاليمن وسورية والعراق وأفغانستان، هناك أكثر من مائة مليون ناجٍ من نحو مليون ضحية من أحبائهم قُتلوا في صراعات تسبّبت بها الحروب الأمريكية أو الحروب التي أشعلت فتيلها، فمن سيؤمن بقضية خطيرة تتعلق بتأكيد سوليفان المتغطرس على حسن النيّة الأمريكية، إذ إن جيك لعب أدواراً رئيسية في تشكيل الكوارث في ليبيا وسورية على وجه الخصوص.

بعد كل ما قيل، إما أن سوليفان –والمؤمنون بالاسثنائية الأمريكية من أمثاله- هم مؤمنون حقيقيون، وإما أنه متهكم يدفعه الطموح وينعم بما يكفي من الذكاء الخام أو الكاريزما ليقول كل ما هو مطلوب لتسويغ خداع الولايات المتحدة!.

مواقفه السياسية: كلمات وأفعال مثيرة للقلق

لن يكون هناك نقلة نوعية في فريق بايدن للوضع الراهن، وسوليفان ليس استثناء. لا تتوقع أي تغيير منهجي في رجل كان عنوان العمود الذي كتبه في مجلة “فورين أفيرز”: “كيف للنظام أن يتحمل!”، في الواقع، يجادل في مقاله الذي نُشر في آذار 2018 بأنه “يجب على مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية أن يستعد للعالم بعد ترامب”، والذي يراه في الواقع بمنزلة “فرصة سانحة” لـ”تشكيل الإجماع القديم على الشروط الجديدة من جديد”.

وفي إحدى أكثر مقالاته التوضيحية في المجلة نفسها -التي نشرها مجلس العلاقات الخارجية، سابع أكبر مؤسسة فكرية تموّلها الحكومة الأمريكية- تقطر كلمات سوليفان بعدوان سلبي، إذ إنه يستهدف المؤلفين ستيفن والت وجون ميرشايمر اللذين تجرأا على استهداف الحكومة الأمريكية. يعتقد سوليفان أنهما فعلا ذلك “بسوء نية”. يتجاوز الاستحقاق الوارد في مقال سوليفان الحقائق الماضية والحالية للكوارث التي تسبّبت بها السياسة الأمريكية بطريقة صفيقة ومقلقة. في الواقع، لدى جيك من الحقد ما يدفعه للادّعاء بأن هذين “الباحثين.. مدينان لصانعي السياسة بافتراض حسن نيتهما ونزاهتهما”. ألم يسمع حكاية أسلحة الدمار الشامل وأبو غريب وغوانتانامو وليبيا وسورية وأفغانستان؟

يحبّ سوليفان إخفاء نزعته العسكرية في خطاب أجوف مثل عنوان مقالة أخرى في المجلة المذكورة أعلاه: “من الهيمنة إلى القيادة”. من الناحية العملية، كان جيك من أوائل المدافعين عن تسليح الإرهابيين في سورية عندما كان يعمل مع كلينتون. وفيما يخصّ سورية تحديداً، كان سوليفان من كتب رسالة بريد إلكتروني سيئة السمعة في شباط 2012 إلى الوزيرة كلينتون، مشيراً فيها إلى أن “القاعدة في صفنا”.

هل كان هذا كل شيء؟ لسوء الحظ، هناك تعفن منهجي في شخصية جيك وفلسفته وسياسته، وسيزيد بالتأكيد. وبعد كل ما ذكرناه، فإن إدانة سوليفان مفتوحة ومغلقة في الوقت نفسه. وعلى الأرجح سيكون جيك الرجل الأكثر نفوذاً في البيت الأبيض، ولن يحتاج حتى إلى مصادقة مجلس الشيوخ، ففي هذا العصر -أو المرحلة المتأخرة- من الإمبريالية الأمريكية، لا يحتاج “عراف الإمبراطور المنتخب” للأمن القومي إلى أي “مشورة وموافقة” من رعايا أو ممثلين زائفين، فمنذ عقود وحتى الآن، خطفت السلطة التنفيذية سلطة السياسة الخارجية من الكونغرس المهمل الذي كان سعيداً بتجنّب المسؤوليات الدستورية وعواقبها السياسية الحالية.