مجلة البعث الأسبوعية

بايدن لا ينهي حرب أفغانستان.. هو يقوم بخصخصتها من خلال القوات الخاصة ومتعاقدي البنتاغون وعملاء الاستخبارات المركزية

“البعث الأسبوعية” ــ سمر سامي السمارة

على الرغم من قرار جو بايدن سحب القوات الحكومية البالغ عددها 2500 جندي، سيبقى أكثر من 18000 متعاقد مع وزرارة الدفاع الأمريكية في أفغانستان، إذ سيترك وراءه القوات الخاصة والمرتزقة وعملاء الاستخبارات الأمريكية، وبذلك فهو يخصخص الحرب ويقلص حجمها، ولكن لا ينهيها.

أعلن بايدن في 14 نيسان أنه سينهي أطول حرب للولايات المتحدة، وسوف يسحب القوات الأمريكية من أفغانستان في الذكرى العشرين لهجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية، كما سيتم سحب أكثر من 6000 جندي من قوات الناتو بحلول ذلك الوقت.

وخلال كلمته من غرفة المعاهدات في البيت الأبيض، المكان نفسه الذي أعلن منه الرئيس جورج دبليو بوش بداية الحرب في تشرين الأول 2001، قال بايدن: “لم يكن القصد من الحرب في أفغانستان أن تكون مشروعاً متعدد الأجيال، لقد تعرضنا للهجوم، وذهبنا إلى الحرب بأهداف واضحة، وأنجزنا مهمتنا الرئيسية، ومات بن لادن والقاعدة متدهورة في أفغانستان وقد حان الوقت لإنهاء الحرب الأبدية”.

وبحسب صحيفة “النيويورك تايمز”، فإن ادعاء بايدن بأنه سينهي الحرب الأبدية، ليس إلا إدعاء مضللاً، إذ ستحتفظ الولايات المتحدة بعد المغادرة الرسمية للقوات الأمريكية بـ “مجموعة غامضة من القوات السرية الخاصة ومقاولي وزارة الدفاع وعملاء الاستخبارات السريين”؛ ووفقاً لمسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، ستكون مهمتهم “العثور على أخطر تهديدات القاعدة أو الدولة الإسلامية ومهاجمتها”. كما ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة تحتفظ بمجموعة من القواعد الجوية في منطقة الخليج العربي وفي الأردن أيضاً، بالإضافة إلى مقر جوي رئيسي في قطر، يمكن أن يوفر منصة انطلاق لمهام القاذفات بعيدة المدى أو الطائرات بدون طيار في أفغانستان.

كما صرح ماثيو هوه، الدبلوماسي الأمريكي رفيع المستوى، الذي قدم استقالته من وزارة الخارجية، عام 2009، احتجاجاً على الحرب على افغانستان، وعلى خلفية شكوكه في دوافع الحرب الأمريكية، بأن عملية السلام الحقيقية في أفغانستان “تعتمد على مغادرة القوات الأجنبية لأفغانستان، مضيفاً: “بغض النظر عما إذا كانت القوات الأمريكية المعترف بها، والبالغ عددها 3500 جندي ستغادر أفغانستان، فإن الجيش الأمريكي سيبقي الآلاف من القوات الخاصة، وعملاء وكالة الاستخبارات المركزية في أفغانستان، وما حولها، ومن خلال عشرات أسراب المقاتلات الحربية والطائرات بدون طيار، المتمركزة في القواعد البرية وعلى حاملات الطائرات في المنطقة، ومئات صواريخ كروز التي تم نشرها على السفن والغواصات”.

وعلى هذا النحو، يصبح من الواضح أن تصريحات بايدن بلا معنى، إذ توظف وزارة الدفاع أكثر من سبعة متعاقدين مقابل كل جندي أو امرأة موجودة في أفغانستان، أي بزيادة مقاول واحد لكل جندي أو امرأة عما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن. ووفقاً لتقرير وزارة الدفاع فإنه “اعتباراً من كانون الثاني، بقي أكثر من 18000 متعاقداً في أفغانستان، بعد أن تم تخفيض مجموع القوات الرسمية إلى 2500 جندي؛ وتعكس هذه الأرقام الإجمالية إستراتيجية الإدارة الأمريكية في الاستعانة بمصادر خارجية للحرب لصالح شركات المرتزقة الخاصة، وكوسيلة لإيهام الرأي العام بانتهاء وتجنب المعارضة، نظراً لأن عدداً قليلاً نسبياً من الأمريكيين يتأثرون بها بصورة مباشرة.

وهنا، فإن معظم المرتزقة هم من قدامى العسكريين السابقين، على الرغم من أن نسبة مئوية منهم هم من رعايا بلدان ثالثة ويتقاضون أجوراً زهيدة لأداء واجبات وضيعة للجيش. كما لابد من الإشارة إلى أن، إحدى أكبر شركات المرتزقة هي الشركة العسكرية الخاصة “دينكورب الدولية” الموجودة في فولز تشيرش في فيرجينيا، والتي تلقت حتى عام 2019 عقوداً حكومية تزيد على 7 مليارات دولار لتدريب الجيش الأفغاني وإدارة القواعد العسكرية في أفغانستان، كما أنها تلقت، منذ العام 2002 ولغاية العام 2013، ما نسبته 69% من إجمالي تمويلات وزارة الخارجية. وقد وصفتها مجلة “فوربس” بأنها “المستفيد الأكبر من حربي العراق وأفغانستان” – والكل غيرها خاسرون، وتعود استراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان للحرب السرية 1959 – 1975 في لاوس، حيث عملت وكالة الاستخبارات المركزية مع مئات المتعاقدين المدنيين ممن حلقوا بطائرات مراقبة، وأداروا قواعد أرضية، وقاموا بتشغيل محطات رادار بملابس مدنية أثناء تشكيل جيشها الخاص بين “الهمونغ” لمحاربة “باثيت لاو” الموالية للشيوعية؛ وقد حاولت وكالة الاستخبارات المركزية والقوات الخاصة مرة أخرى تجنيد العناصر القبلية في أفغانستان، ولكن – وكما كان الحال في لاوس – سقطت هذه العناصر في شرك النزاعات القبلية والطائفية.

 

ماذا يريد العم سام من افغانستان

انتقد السناتور الجمهوري جيم إنهوف خطة بايدن للانسحاب، مشيراً إلى أنها “قرار طائش وخطير، فمن المحتمل أن تعرّض المواعيد النهائية العشوائية قواتنا للخطر، وتقوض كل التقدم الذي أحرزناه، وتؤدي إلى حرب أهلية في أفغانستان، وتخلق مرتعاً خصباً للمتطرفيين والإرهابيين الدوليين”.

وتجدر الإشارة إلى أن إنهوف انتهازي حرب، فقد استثمر في أسهم شركة “ريثيون” الرائدة في تصنيع الأسلحة، في الوقت نفسه الذي دعا إلى زيادة ميزانية الدفاع كرئيس للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، كما أن الولايات المتحدة لم تحرز أي تقدم كبير خلال 19 عاماً من الحرب؛ وبحسب مجلس العلاقات الخارجية، فقد أصبحت طالبان أقوى من أي وقت منذ عام 2001، وتسيطر اليوم على حوالي خمس مساحة أفغانستان، كما أن أفغانستان في الواقع لم تكن أرضاً خصبة للإرهابيين الدوليين، فقد جاء معظم الإرهابيين في الحادي عشر من أيلول من السعودية، ووافقت طالبان على تسليم أسامة بن لادن إلى محكمة دولية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول؛ وستستمر الحرب في أفغانستان إلى أجل غير مسمى، ولكن ليس بسبب تهديد الإرهاب – الذي يفاقمه الوجود العسكري الأمريكي – بل لأن الولايات المتحدة لن تتنازل عن الأرض في المنطقة؛ فقد كشفت عن نواياها بالاحتفاظ بقاعدتين عسكريتين على الأقل في أفغانستان بعد الانسحاب الرسمي، وإنشاء أكثر من 1000 قاعدة خلال الحرب، فالعم سام يطمع بثروة افغانستان المعدنية، إذ اكتشفت منظمة الخدمات الجيولوجية الأمريكية، عام 2007، أن قيمة المعادن الخام الموجودة تقدر بتريليون دولار، بما في ذلك خامات ضخمة من الحديد والنحاس والكوبالت والذهب والمعادن الصناعية الهامة مثل الليثيوم المستخدم في تصنيع بطاريات أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة البلاك بيري.

وبحسب مذكرة داخلية لوزارة الدفاع، فإن أفغانستان يمكن أن تصبح “سعودية الليثيوم”. وفي عام 2001، عندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان لأول مرة، كانت في طور توسيع بنيتها التحتية العسكرية في آسيا الوسطى، فقدمت أفغانستان محطة على الطريق الرئيسي إلى حقل “النفط دورادو” الجديد، والذي يحتوي على ما يصل إلى 200 مليار برميل من النفط – حوالي 10 أضعاف الكمية الموجودة في بحر الشمال، وثلث إجمالي احتياطيات الخليج العربي؛ كما تم تقدير أفغانستان في ذلك الوقت كموقع رئيسي لخط أنابيب نفط ينقل نفط آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي بينما يتجاوز روسيا.

في تسعينيات القرن الماضي، بدأت شركة “يونوكال” النفطية في جنوب كاليفورنيا باتخاذ خطوات لبناء خط الأنابيب، حتى أنها غازلت طالبان. وفي العام 2018، حُفرت الأرض لتنفيذ مشروع خط أنابيب جديد مدعوم من الولايات المتحدة لنقل النفط من تركمانستان إلى شمال الهند.

ويبدو أن أكبر المخاوف التي تواجهها الإدارة الأمريكية يتمثل بأن الانسحاب الأمريكي الكامل من أفغانستان قد يؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة لموطئ قدم استراتيجي لصالح منافسيها الجيوسياسيين الرئيسيين – الصين وروسيا – في أفغانستان، خاصة وأن الصين زادت مؤخراً من تجارتها واستثماراتها في أفغانستان – التي تشترك معها في الحدود – وسعت إلى إقامة علاقات أفضل مع الحكومة الأفغانية.

في غضون ذلك، أعادت روسيا فتح مركز ثقافي في كابول في عام 2014، كما أعادت بناء مركز صداقة سوفييتي مهجور، ووسعت طاقم سفارتها، وعززت استثماراتها الاقتصادية، وقدمت 10 آلاف بندقية كلاشينكوف للحكومة الأفغانية؛ كما دعمت موسكو مشاريع الإسكان الأفغانية، واستفادت من الاتصالات مع كابول لتجديد العلاقات مع الحكومة الافغانية؛ وبحسب مقال نشرته مجلة “كونفيرت أكشن”، فإن الحكومة الأفغانية الحالية، بقيادة أشرف غني، هي إلى حد كبير صناعة أمريكية، إذ تمول الولايات المتحدة الجيش الأفغاني بحوالي 4 مليارات دولار في السنة؛ وما لم يقطع الكونغرس هذا الدعم فإنه سيتستمر، بالإضافة إلى برامج المساعدات الخارجية الأمريكية واسعة النطاق التي تصل إلى ما يقرب من مليار دولار سنوياً.

وتريد الولايات المتحدة الإبقاء على أشرف غني في السلطة، أو استبداله بوكيل آخر يمكن أن يساعدها في الفوز بالمنافسة الجيوسياسية مع روسيا والصين، والتي تختلف قليلاً عن “اللعبة الكبرى” للقرن التاسع عشر بين بريطانيا العظمى وروسيا.

.. إذاً، طالما بقيت الإمبراطورية الأمريكية على حالها، فإن الحرب على هذا النحو ستستمر، وتستمر.