مجلة البعث الأسبوعية

في معركة تأمين مستلزمات العيش .. خبير اقتصادي يطالب بخطط اقتصادية و مكتب التنمية  :لسنا بحاجة لمنظرين

البعث الأسبوعية_ رفعت الديك

 

“لو جمعوا كل اقتصادي العالم لمعرفة كيف يعيش المواطن السوري لن يستطيعوا فالمواطن السوري يعيش بالقدرة والفقر “بهذا العبارة يختصر أبو محمد الوضع المعيشي المتردي الذي وصلت إليه معظم الأسر السورية والفجوة الكبيرة بين الدخل الشهري والإنفاق  هذا الفجوة التي تتسع يوما بعد يوم لتصل إلى دخل لا يزيد عن 90 ألف ليرة وإنفاق يزيد عن 700 ألف.

 

احتيال على الواقع

 

الضغط المعيشي ساق الكثير من أرباب الأسر إلى العمل الإضافي إضافة لتقليص النفقات إلى الحدود الدنيا عل ذلك يشكل حلا لتقليص الفجوة.

فأبو محمد صاحب راتب يلامس 90 ألف ليرة يضطر للاستدانة مبالغ إضافية تصل إلى 500 ألف ليرة شهريا لسد رمق أسرته المكونة من خمسة أشخاص والمحرومة من الكثير من مستلزمات العيش باستثناء الضروري منها.

أما الموظف حاتم في مؤسسة المياه يقول أنه يعمل بعد الدوام في التمديدات الصحية لزيادة دخله وان كان هذا يشكل إرهاقاً كبيراً عليه فصاحب الأسرة المكونة من ستة أشخاص منهم طالبة جامعية وثلاث طلاب في مدارس المدينة يذهب راتبه كأجور مواصلات لهم شهريا وبالتالي عليه أن يؤمن ثمن الطعام والشراب لهم “بأي طريقة كانت”

وحال أيسر الموظف في التربية ليس بالأفضل حيث يعمل سائق تكسي بدخل يعادل راتبه الشهري ومع ذلك تبقى الفجوة الكبيرة مما اضطر ابنه لترك للمدرسة ومساعدته في تحمل الاعباء.

ولا تتذكر سحر متى اشترت ملابس جديدة آخر مرة وكذلك اللحمة او الفروج فهذة المشتريات أصبحت من المنسيات بالنسبة لها وللكثيرين ممن تعرفهم فهمها اليوم تأمين مايملأ بطون أبناءها كما تقول

لاشك أن القصص كثيرة وفي معظمها مؤلمة لكيفية تدبر  الأسر لواقعها المعيشي، هذا الواقع المرير التي قاد معظم تلك الأسر إلى مادون خط الفقر وجعلها تقف على أبواب الجمعيات الخيرية والمنظمات الدولية تنتظر السلة الغذائية أو أي شيء يسكت جوعها وان كان للتحويلات الخارجية بعض الأثر في تحسين واقع اسر لها مغتربين في الخارج الا ان تلك التحويلات ليست بالكفيلة لتبديل الواقع السوري إلى الأفضل فأين يكمن الحل إذاً؟

 

عجلة الإنتاج

 

قد يكون وجود سياسة اقتصادية متكاملة تحقق الأمن الغذائي وزيادة الرواتب والأجور إضافة إلى ضبط الأسواق هي حلول تساهم في ردم الفجوة التي يقول عنها الخبير الاقتصادي حمود خير أنها  جاءت نتيجة مسببين الأول هو الحرب وانعكاساتها على المواطن وكذلك الحصار الاقتصادي وانعكاسه على سعر الصرف

ومحدودية دخل المواطن والسقف المغلق له خاصة عند أصحاب الدخل المحدودة بالمقابل الارتفاع الهندسي المتوالي للأسعار وهذا ما خلق فجوة كبيرة بين دخل أخذ بالتدني إلى درجات مخيفة وأسعار ارتفعت بشكل جنوني

وبين خير أنه لردم هذه الفجوة لابد من وجود سياسات اقتصادية وإن كانت الحكومة لا تملك عصى سحرية لردم هذه الفجوة بين ليلة وضحاها إلا أنه يجب أن يكون هناك برامج اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار وجود خطط قصيرة ومتوسطة وإستراتيجية الهدف،وهذا يتطلب دعم القطاعين الزراعي والصناعي وزيادة الرواتب والأجور والعمل على تحقيق استقرار سعر الصرف بشكل يحقق دوران عجلة الإنتاج.

وأشار خير الى ضرورو تدخل الحكومة في ضبط الاسواق وتقديم حلول إسعافية من خلال تقديم سلة غذائية مدعومة مكونة من الحاجيات الاساسية للاسرة تقدم على البطاقة الذكية وبسعر رمزي ريثما تدور عجلة الانتاج وتتحقق السياسات المتكاملة التي تحقق الأمن الغذائي.

 

سلة غذائية

 

ربما سنتلقّى المزيد من الصفعات من لوثة الشعور بالفقر كأخطر المشكلات الاجتماعية التي تتوعد خططنا التنمويّة، لا سيما في بعدها البشري، خاصة في ظل وقوف معظم المواطنين في موقع المتفرج والمنتظر لاجراءات تجعله يعود للمصالحه مع واقعة او حتى مصافحة الامل من جديد

و أغلب الظن أننا لا نجافي الحقائق عندما نقف إلى جانب المواطن في هذا الاتجاه وهو يقوم بعملية حساب

كلفة المعيشة والتي تصل اليوم إلى نحو 700 الف ليرة سورية شهريا لأسرة مكونة من خمسة أشخاص وان كانت هذه الكلفة متضمنة سلة غذائية مكونة من الخبز والبيض واللحم والجبن والخضار والفواكه والرز والسكر

يضاف إليها المنظفات واجور النقل والمواصلات والطبابة

وكلفة السلة الغذائية تم حسابها بناء على سلة الغذاء المعتمدة من مؤتمر الإبداع والاعتماد على الذات لنقابات العمال عام 1987، والتي تغطي 8 مكونات غذائية أساسية فقط، وبمجموع 2,400 حريرة يوميا، دون أن تتضمن المشروبات ومكونات غذائية أخرى.

قد يكون الرقم ليس دقيقا ولكنه متداول بين معظم الاسر فمعظمهم حريصون على تدوين المشتريات والنفقات بشكل يومي ودقيق يفوق دقة مكاتب الاحصاء والرصد والمتابعة في تحديد النفقات والمستلزمات.

ولو تحرّينا في التفاصيل لوجدنا أن السلة للغذائية الفعلية لاتحوي معظم المكونات آنفة الذكر فالكثير منها لا مكان لها في طاولة الطعام التي تقتصر على صنف واحد في الكثير من الوجبات ، حتى ذلك الصنف فهو من مرتبة متأخرة في ترتيب الجودة  ولاشك ان هذه الحيثية هامة جدا ويتوجب علينا رصدها جيداً، إن أردنا التصويب والاستدراك فعلاً فسوء التغذية سينعكس عاجلا أم اجلا أمراضا ستزيد من فاتورة الطبابة المتهالكة اصلا.

 

تحفيز الانتاج

 

ويبقى التعويل اليوم على المشاريع متناهية الصغر والصغيرة التي تؤسسها الأسر لمواجهة الركود الاقتصادي والمسا همة في دوران عجلة الإنتاج الان إن تلك الأسر لا تستطيع القيام بذلك بمفردها وفق مدير مكتب الإحصاء في السويداء ناجي حذيفة الذي بين أن الأسرة السورية لا تستطيع اليوم بمفردها محاربة الفقر ولابد من وجود إرادة كاملة لمحاربة الفقر عبر وجود برامج تنموية واضحة تعتمد على تحريك المجتمع إلى مجالات الإنتاج وتحريك لكافة الطبقات للاهتمام بالإنتاج وهذا يتطلب بالضرورة قيام مؤسسات الدولة بمساعدة تلك الأسر بعبور إنتاجها خارج حدود الدولة وذلك من خلال تشجيع المنتجات اليدوية والصناعات الغذائية التي تشتهر بها كل منطقة وجعل تلك الصناعات عابرة للحدود عبر الاستفادة من خصوصيتها فمثلا صناعة الزبيب هي صناعة خاصة بمحافظة السويداء فلماذا لايكون هناك معارض سنوية في الصين وروسيا لتسويق هذا المنتج وغيره من المنتجات بشكل يتيح لشعوب الدول الصديقة تذوق منتجاتنا ورؤية صناعاتنا اليدوية.

وبين حذيفة ان الحل الوحيد يكمن في رفع شعار”الانتاج عليكم والتسويق علينا” وهذا يساهم بتحفيز الإنتاج. وكذلك لابد من تطوير الاداء الإداري وتحويله من اداء وظيفي إلى أداء قيادي مبدع وهذا يتطلب تغير الذهنية الإدارية السائدة والتوجه نحو استثمار الطاقات البشرية الكامنة وتحويلها إلى طاقات منتجة والتوجه نحو ثلاثية المستثمر والفلاح والموظف فدعم هذه الأطراف الثلاث لاشك أنه سيولد حراك اقتصادي فاعل وبالتالي سيسرع من دوران عجلة الإنتاج.

 

 

فريق تنموي

 

في مقاربة أكثر للواقع وفي وقت ينتظر الجميع عجلة الإنتاج أن تدور باعتبارها قارب النجاة الوحيد نجد أن الكثير من جرعات الأمل التي يحاول هذا المسؤول أو ذاك بثها لم تعد تلقى أذان صاغية فالمواطن تجاوز عتبة الوعود والتصريحات الخلابية بانتظار إجراءات ميدانية تتناسب مع خصوصية ودقة المرحلة ولاشك أن هذه الإجراءات تحتاج إلى مولدي أفكار وليس منظرين

يقول وليد الحمود من مكتب التنمية في السويداء أن البلد بأزمة والتصريح بمنطق التنظير يضعف ثقة المواطن بالمسؤول وهي ثقة مهزوزة بالأساس ولاتعكس دراية بواقع المواطن المنهار معيشيا ولاتعكس أيضا معرفتهم بحاجات الناس وحقوقهم في الغذاء والصحة والتعليم واللباس والسكن.

مؤكدا أن أغلب تصريحات المسؤولين تأتي عن عدم علم بهذه الحاجات وعن عدم معرفتهم بواقع الأسر المرير الذي تعيشه حيث تأتي معظم القرارات ارتجالية غير مستدامة  وعلى مبدأ  تبديل الطرابيش وترحيل المشاكل إلى الأمام ولذلك نرى أن أزماتنا تتفاقم رغم أننا بوضع عسكري  وسياسي أفضل إلا أننا نجد أن الواقع الاقتصادي منهار ولا ينسجم ويتوازى مع  انتصارات المؤسسة العسكرية والسياسية وبالتالي نحن اليوم بحاجة إلى فريق تنموي وأصحاب الخبرات وليس إلى منظرين

 

معالجات جريئة

 

هي السنة الأصعب التي تمر على الأسر السورية خلال سنوات الأزمة حيث انتهت كل المدخرات الموجودة عند تلك الأسر وأصبح غالبية السوريين يئنون تحت وطأة الفقر والعوز وبالحديث عن خطوط الفقر فقد أصبحت معظم الأسر السورية تحت هذا الخط بدرجات وإن كانت مختلفة ولكنها بعيدة عن هذا الخط انحدارا وبالتالي لابد اليوم من التوجه نحو معالجات جريئة عبر وضع خطط إنعاش الاقتصاد وتنشيط منظومة التنمية ونتجاوز مرحلة التفكير بأماكن أمنه للعيش إلى فكرة أماكن جاذبة للاستثمار  وهذا بالضرورة يتطلب تغير ذهنية التعامل مع الملف الغذائي لملف معالجة الواقع الاقتصادي المتردي الذي من الصعب على تلك الآسر الاستمرار به أكثر.