مجلة البعث الأسبوعية

د.نجاح العطار تؤرخ مرحلة مهمة عاشتها في “أوراق شخصية في بريطانيا والوطن”

البعث الأسبوعية-جمان بركات

ليس الوطن كلمة مجردة، ولا هو لفظة شاعرية في قصيدة مجنحة، بل هو المدينة والقرية والمدرسة وملاعب الصبا وذكريات الأيام والطمأنينة والشرف.. بعبارة أخرى إنه الحاضر والماضي والمستقبل والتاريخ، والإنسان الذي يصنع التاريخ وبيديه الجبارتين يكتب صفحاته.

ولأن المذكرات تكشف أشياء عامة أحياناً إلا أنها وفي أغلب الأحيان تكشف أموراً وتفاصيل لن تظهر عن قصد للعلن، توضح خيوطاً وتسلط الضوء على صورة أكبر وأعم من التي كانت قد عُرفت مرة في غابر الأزمان.

تحت إلحاح أبنائها كتبت الدكتورة نجاح العطار “أوراق شخصية في بريطانيا والوطن” لتؤرخ وتعطي تفاصيل عن مرحلة مهمة عاشتها في تاريخ الوطن، بلغة راقية انسيابية فصيحة تدل على وعي وإلمام بما يحيط بما حولها.

أدنبرة

يندرج الكتاب أو السيرة الذاتية تحت عناوين عدة كتبتها العطار لتعرفنا على محطات حياتها العديدة فبعد رحلة طويلة في مختلف العواصم الأوربية قامت بها مع زوجها الدكتور ماجد العظمة، زارت خلالها متاحف الفن وحضرت عروضاً في دار الأوبرا وصالات الموسيقا حتى استقر المطاف بهما في أدنبرة حيث برودة الصقيع تخترق الروح ومشاعر الشوق وآلام الفراق وأحلام الماضي تتأجج حنيناً إلى دمشق.

تروي بتفاصيل مشوقة وبسردية قريبة للقارئ وكأنه يستمع إلى حكاية جميلة يتعرف من خلالها على تاريخ مدينة في خمسينيات القرن الماضي، نجد قصة فتاة في سنتها الثانية والعشرين من عمرها لا تعرف اللغة غربية عن المنطقة وعاداتها وتقاليدها، نشعر بالرهبة معها عندما تقف اللغة عائقاً لا تستطيع فيه التعبير عما يجول بعقلها فيتحدث زوجها عنها، نتحمس لإرادتها وتصميها ومثابرتها في تعلم اللغة واختراق الحواجز، والمثابرة في الدراسة والتعرف على تفاصيل الجامعة والمكتبة والحلقات الدراسية.

تصف حال المرأة الاسكتلندية قبل الزواج وحريتها في اختيار أصدقائها والتعرف على شريك حياتها، وتروي بالمقابل كيف يكون حالها بعد الزواج وخاصة من ناحية العمل، فهل تستطيع المرأة أن تعمل وتوفق بين حياتها الزوجية وتربية أطفالها وهل يتقبلها المجتمع وأيضاً المؤسسات الحكومية وغيرها؟ّ

تتحدث عن المناوشات التي حدثت مع مالكة المنزل التي استأجرت هي وزوجها عندها، كيف كانت تتدخل تفاصيل حياتهم لتشاببها العطار كأنها “الحماة” الشرقية التي تحب أن يكون لها دور ورأي في كل شيء، والتي لم تخفف من محاولاتها إلى استطاعت أن تطفشهم إلا منزل آخر عندما علمت بأنها الفتاة الدمشقية حامل.

بين صفحات الكتاب ليس فقط رواية لعادات وتفاصيل اجتماعية بل هو تاريخ لمدينة أوربية نرى تطورها من عيون فتاة دمشقية حالمة وطموحة، تقارن بين حال المرأة في هذه البلاد وكيف تسعى لتنال حقوقها وبين حال المرأة في شرقنا.

نهاية الفصل الأول من كتابها كانت عند العام 1956، ربما اختارت هذا التاريخ لأن الحرب وذكرياتها تحفر لنفسها مكاناً في عقول البشر، فقص حكايات الحرب من أفجع ما يمكن أن يرويه إنسان، صفارات الإنذار والغارات الجوية والأبنية التي تتهدم. تقول العطار: “الحرب نكبة وليس هناك من يرتضيها أو يسعى إليها”، وتذكر موقف أستاذ في الجامعة، وكانت الأحداث في قبرص تستثير الرأي العام: إني أكره أسلوب الحكومة في سعيها للاحتفاظ بقبرص، إن حياة جندي بريطاني واحد تعادل أكثر بكثير من استعمار قبرص، أو الإفادة من وجودنا فيها استراتيجياً واقتصادياً. صدقته.. فقد كان في صوته كثير من الصدق والمرارة ولو أن رجال السياسة في العالم تقمصوا أحاسيس الأفراد العاديين من أبناء شعوبهم، وتأثروا بانفعالاتهم لتغير منطقهم ولكانوا أشد رحمة وأقل أنانية وشراً وعدوانية.

تروي الغضب الذي اجتاحها حين إعلان ذهاب المدمرات والغواصات رافعة راية العدوان على قناة السويس، نقاشاتها الغضبة في الجامعة والقاعات العامة، تحدثت عن الخطب المتأججة، يتحسس القارئ معها عن غضب عربي يعيش في الغربة يسمع الأخبار يثور ويتوجع ثم يعود ليفكر بشكل عقلاني بحثاً عن سبل للإسهام في المعركة، تتحدث عن ترقب كلمات جمال عبد النصر من وراء “صوت العرب” تستمد من عنفوان كلماته بعضاً من أمل.

هوية

تستعرض في مذكراتها نموذجين لشابين كانت صادفتهما في طريق الحياة، الأول طبيب اختارته ليشرف على علاج ابنها.. كان أسمر اللون لا يوحي بأنه ابن هذه المنطقة، بعد أن عرف هويتها تصرف بعصيبة معها فما كان بقرارة نفسها إلا أن تستبدله وماهي إلا لحظات حتى اعتذر الطبيب عن تصرفه شارحاً تبدل مزاجه السريع، فهو ابن الخطيئة أو الضعف.. هو ضحية مجتمع لايرحم، ولد يحمل سمرة بشرة أبيه وبعضاً من ملامحه ليكون هذا فقط ما يربطه به حتى أنه لم يأخذ اسمه، وليكون أيضاً دليل العار الذي يشده إلى أصله ويشعره دائماً بأنه ابن الخطيئة. عاش جحيم الصراع النفسي، فلا كان قدراً على حب أمه التي فنت عمرها من أجله فكان شديد الحقد عليها ولم يكن من السهل أن يغفر خطيئتها ويقبل جنايتها التي حمل وزرها وفرضت عليه أن يكون غريباً في بيته ومجتمعه ودنياه.

الشاب الآخر الذي كان قد قابلته أمريكي يتعلم اللغة العربية بشغف كبير، يناقش قضايا الشرق الأوسط ويدافع عنها بحماس غريب، تتساءل عن سر هذا الاندفاع، فيجيبها بأنه حاول جاهداً أن يقنع نفسه بأنه أمريكي ولكنه فشل على الدوام، ولم يجد الوعظ ولا النصيحة ولا الضغط الذي مارسه أبيه مستعيناً بأمه، فدائماً ما كان يحس بالهوة في أعماقه تفصل بينه وبين الأرض التي عاش فيها وتشده عبر البحار إلى أرض أجداده أرض ولد عليها وولد أبيه عليها وبقي يحمل حنينها في دمه وتستأثر بمخيلته، فيرنو عبر الأفق إلى بلد الأرز لبنان.

بداية مرحلة

في القسم الثاني من الكتاب نشهد “نهاية مرحلة” حيث بعد العودة يأتي حس الشعور بالمسؤولية وتحمل أعبائها ليغدو مقياساً يعبر عن مدى نضج الفرد، فالشعور بالمسؤولية هو الذي يجعل الإنسان أينما كان يقول واجبي قبل أن يطالب حقه، أن يعترف بخطيئته قبل أن يلوم ويحاسب الآخرين على خطاياهم.

في نهاية مرحلة الغربة للعودة إلى دمشق بعد أن استبد بهم الحنين للبدء بالحياة العملي، حيث كانت بداية عهد جديد من البحث عن العمل، فزوجها الدكتور ماجد العظمة انتسب إلى الجيش على الرغم من أنه وحيد لأهله لأنه كان يعتبر أن خدمة الجيش واجب وقضية وطنية لا يمكن التخلي عنها، أما الدكتور العطار صادفت اعتراضات كثيرة في طريقها حين أرادت التدريس في قسم اللغة العربية، فرضيت أن تدرس شعب البكالوريا في إحدى ثانويات البنات، ثم شاءت الظروف أن تنتقل إلى وزارة الثقافة لتستقر في مديرية الترجمة والتأليف، وتتنقل بها الظروف إلى أن يتم اختيارها وزيرة للثقافة.

كما كل أم تذكر العطار بأن إنجابها لابنها وائل ومن بعدها بست سنوات لابنتها أروى من أجمل أحداث حياتها، إلا أنها تضيف بأن حضور “سيمنار” جامعة هارفارد الذي شكل خطوة ثقافية هامة لها وقعها وذكراها الخاصة.

هارفارد

إعلان في الصحيفة يتحدث عن “سيمنار” ستقيمه هارفارد الجامعة الشهيرة، وسيدعى إليه من سيكتب الموضوع الأفضل ليم اختياره وهو في قسمين في السياسة وفي الأدب، وسيكون عدد المشاركين من 41 من الذين يتمتعون بالكفاءة الملائمة من كل أنحاء العالم.

شاركت العطار في موضوع النقد الأدبي، ووقع عليها الاختيار ووجهت إليها الدعوة من هنري كسنجر الأستاذ في الجامعة والمشرف على السيمنار، والمستشار في الرئاسة والمكلف بمتابعة قضية فيتنام قبل أن يصبح وزيراً للخارجية فيما بعد.

في هذا القسم من الكتاب يطغى الشغف والعنفوان ونصرة القضية العربية والدفاع عن الأرض والوطن هو هاجس هذه الأسطر، فاتخذت الكتابة منحى آخر بعيداً عن التفاصيل الحياتية والثقافية والهموم اليومية والمعاناة الفردية، فغلب الجانب السياسي في أسطر الذكريات عن سيمنار هارفرد، فالزخم اليهودي وسيطرة الإسرائيلين على قاعة المحاضرات، وخشية الطلاب العرب من هذه التجمعات قبل أن تنتظم أمورهم ويصبح لهم وضع مختلف، تصف بقاءها وحيدة وكأنها في ساحة معركة تناضل وحدها في لقاءات دامت شهرين تقريباً ضد كل من يطرحون أفكارهم السياسية المعادية بصبر وجلد.

ذكريات ومتابعات

بدأت الذكريات والمتابعات في القسم الأخير من الكتاب من “حزيران إلى تشرين”، من الخامس من حزيران اليوم الذي غزا فيه العدو أرضنا عام 1967 والذي حمل معه آلاماً وأحزاناً رهيبة لا تنسى وتبقى عالقة في الذاكرة، إلى السادس من تشرين عام 1973 يوم انطلاق القوات السورية وبعض القوات العربية إلى أرض المعركة وأخذ التاريخ وهو الحكم يسجل الوقائع بأمانة.

ونمر بمتابعات كثيرة عن “ضمير العالم.. من الذي أيقظه”، وعن “المعارك الضارية مع أعدائنا”، عن “الأطفال العرب” و”حراس المدينة”، عن “حكايا البطولة” و”أغاني الرجال”.