مجلة البعث الأسبوعية

هل تودع السويداء التفاح والكرامة بعد التحول نحو الزراعات الحديثة وما هي مخاوف مديرية الزراعة؟

البعث الأسبوعية-  رفعت الديك

تنشط في محافظة السويداء  الزراعة المنزلية والتي يسعى المزارعون من خلالها لتحقيق الاكتفاء الذاتي.. خبر يحمل الكثير من الدلالات أولها العودة إلى الريف وانتهاء بتغير ثقافة الاستهلاك والتوجه لتأمين حاجات المجتمع بأيادي أبناءه والاهم من ذلك كله هو التوجه نحو الزراعات الحديثة ويساعد على ذلك وعي مزارعي المحافظة وقدرتهم على التعامل مع كل ما هو جديد

فماهي الزراعة الحديثة وما هو مصير الزراعات التقليدية وماذا تقول مديرية الزراعة في ذلك؟

 

اكتفاء ذاتي

سند واحد من عشرات المزارعين الذي اتجه نحو الزراعات الحديثة التي تعتمد على شبكات الري بالتنقيط.. النتائج بالنسبة له رائعة كما يقول فدونم واحد من الأرض تعادل إنتاجيته عشرات الدونمات من الأراضي المزروعة بالتفاح والكرمة.

يقول سند إن إنتاج الكرمة والتفاح عنده تعرض في السنوات الأخيرة للكثير من الضعف نتيجة العوامل الجوية والجفاف خاصة وأن أراضي المحافظة تعتمد بشكل أساسي على الهطولات المطرية والتي انخفضت في الآونة الأخيرة بشكل جعل الاعتماد على الأرض و إنتاجها غير مجد ودليل ذلك هجرة العديد من المزارعين لارضهم واهمالهم لها بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الإنتاج الذي لايعادل تلك التكاليف في كثير من الأحيان فكان اتجاهه نحو الري بالتنقيط عبر شبكة في حديقته المنزلية

وهذا المشروع هو واحد من مئات المشاريع المنتشرة على ساحة المحافظة والتي تبشر بتحقيق إنتاجية عالية سواء على الصعيد الشخصي للمزارع نفسه او على صعيد تحقيق الاكتفاء الذاتي لأسواق المحافظة

وبشكل موازي نجد انتشار لزراعات نوعية كالزعفران والاستيفا وكذلك الزراعة المائية وهذه المشروعات الوليدة حديثا بدأت تشق طريقها إلى خارطة المزروعات في المحافظة وتحجز لها مكانا في روزنامة المزروعات.

وان كان هذا سينعكس بشكل مباشر على الاهتمام بالزراعات الأساسية كالكرمة والتفاح.

 

تحذيرات الزراعة

مديرية الزراعة  تتابع عن كثب هذا التوجه وتدعمه في بعض حالاته كتوزيع شبكات التنفيذ على الأسر الريفية وإن كان لها بعض التحفظات والمخاوف

ويصف مدير الزراعة في السويداء المهندس أيهم حامد الحالة فيقول أن عدد كبير من مزارعي المحافظة توجهوا في الآونة الأخيرة نحو الزراعات الصيفية والشتوية ودفعهم إلى ذلك الواقع الاقتصادي الصعب الذي يمر به البلد فسعى المزارعون لاستثمار كل شبر من أرضهم وهذا ما ساهم بشكل أساسي في تحقيق الاكتفاء الذاتي لتلك الأسر وكذلك تحقيق مردود مادي عبر بيع الفائض من إنتاجهم والمهم في هذا حسب حامد أن التوجه كان بشكل مدروس حيث اعتمد المزارعين على أساليب الزراعة الحديثة فمعظم المشاريع مبنية على شبكات الري  بالتنقيط وباستخدام الأسمدة والمبيدات بالحد الأدنى باعتبار أن المزارع يسعى أولا لتحقيق الاكتفاء الذاتي وبالتالي هو حريص على إنتاج غذاء صحي وسليم وهذا يحقق موثوقية عالية في الأسواق التي تستقطب الفائض من إنتاجه.

مدير الزراعة لم يخف وجود بعض المنغصات لهذا التوجه أهمها عدم توفر مصادر مائية خاصة أن المحافظة تعتمد على الهطولات المطرية وتفتقر لوجود عدد كاف من الآبار وبالتالي الافتقار لوجود المياه كان معوق أساسي لانتشار هذه المشاريع إلا أن عدد كبير من المزارعين تجازوا  المشكلة بتأمين مصادر مائية.

والاهم حسب حامد هو التوجه نحو الزراعات ذات الاحتياج المائي القليل وهذا ما تشجعه مديرية الزراعة بحيث يتم استغلال أكبر قدر ممكن من المساحات بزراعة أنواع ذات احتياج مائي قليل ومردود اقتصادي جيد مثل النباتات الطبية والعطرية وهذا التوجه مهم لحل مشكلة تفتت الخيارات الزراعية من خلال التوجه نحو زراعات نوعية الا أن مدير الزراعة رغم تشجيعه هذا التوجه نحو استخدام الأساليب الحديثة والزراعات النوعية حذر من أن يكون هذا التوجه على حساب المحاصيل الاستراتيجية التي يجب الحفاظ عليها وعدم التوسع على حسابها.

أساليب حديثة

في معهد الإعداد الفلاحي تجد عشرات المزارعين بشكل دوري يتبعون دورات زراعية..تلك الدورات تركز في معظم تدريباتها على الطرق الحديثة والصحيحة في عمليات الزراعة وتساهم في تعزيز الثقافة الزراعية عندهم

وحول إستراتيجية العمل يقول مدير معهد الإعداد الفلاحي في السويداء المهندس عصام مداح أن الاستخدام الجائر للموارد وتدهور الغطاء النباتي وتراجع الثروة الحيوانية وتراجع نسب الهطول المطري أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني

كل ذلك يستدعى مقاربة أخرى في التعامل مع الملف الزراعي من خلال التركيز على التنمية المستدامة واستخدام الأساليب الحديثة ووضع إستراتجية جديدة بوضع خارطة زراعية تتضمن محاصيل زراعية أكثر إنتاجية واقل تكلفة وأكثر تكيفاً مع واقع المناخ بما يكفل إعادة التوازن لهذا القطاع والاستثمار الأمثل لهذه الموارد وخارطة الطريق يجب تستند إلى التوسع في الزراعة المروية للمحاصيل والتركيز على طرق الري الحديثة في إطار الإدارة الرشيدة لموارد المياه والاستفادة من كل قطرة مياه هاطلة من خلال إقامة السدود والسدات وطرق الحصاد المائي المختلفة

ولتحقيق ذلك بين مداح أهمية إدخال محاصيل وزراعات جديدة ملائمة وذات جدوى اقتصادية إنتاجياً وتسويقياً

و زراعة أصناف قابلة للتصدير وكذلك التوسع في عملية التصنيع الزراعي للاستفادة من القيمة المضافة لتصنيع هذه المحاصيل واستخدام المكننة الزراعية لتوفير الجهد والوقت والتكاليف واستنباط محاصيل جديدة أكثر إنتاجية وأكثر تحملا للجفاف مشيرا إلى ضرورة التوسع العامودي في زراعة بعض المحاصيل من خلال الزراعة المائية والزراعة الاحيومائية و تشجيع زراعة المحاصيل الصناعية والعلفية

ودعا مدير المعهد إلى أهمية استثمار البادية السورية والتي تشكل 55 بالمائة من مساحة القطر العربي السوري وهي منجم حقيقي يجب في قطاع الثروة الحيوانية وكذلك الاستفادة من السطوع الشمسي فيها لإقامة مشاريع الطاقة المتجددة لتأسيس بنية تحتية لإقامة مشاريع عملاقة تختص بالإنتاج الحيواني ذات جدوى اقتصادية.

مشاريع نوعية

الزراعات المائية برزت مؤخراً كعنوان هام لعدد من الأبحاث وعنوان هام أيضاً لمشاريع نوعية في المحافظة وان كانت مثيرة الاستغراب في بعض مفرداتها إلا أنه لا يمكن إنكار أهميتها

تقول الباحثة في مركز البحوث الزراعية في السويداء الدكتورة المهندسة علا النداف أن الممارسات الزراعية التكثيفية أدت إلى تدهور التربة المتمثل بانخفاض محتوى التربة من المادة العضوية إضافة إلى ذلك فقد أدى الاستخدام العشوائي للأسمدة الكيميائية إلى تلوث البيئة وتدهور مواصفات التربة إضافة إلى أضرارها الكبيرة على صحة الإنسان والبيئة وخاصة تراكم النترات في المياه الجوفية والتربة وارتفاع أسعارها الأمر الذي يزيد من تكاليف الإنتاج الزراعي.

وقد ساهمت العوامل البيئية من ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الهطولات المطرية والرياح إضافة إلى التوسع العمراني إلى انخفاض المساحات المزروعة وانخفاض الأراضي الصالحة للإنتاج الزراعي الأمر الذي يتطلب البحث عن تقنيات زراعية جديدة تضمن استمرار الإنتاج الزراعي لدوره في تحقيق الأمن الغذائي.

وهنا تبرز أنظمة الزراعة المائية كبديل مناسب للزراعات التقليدية في التربة حيث يمكن زيادة كفاءة استخدام الماء وهو حل في المناطق التي تعاني من ندرة المياه كما يتم إضافة الأسمدة بكميات قليلة مدروسة حسب حاجة النبات إضافة إلى التخلص من آفات وأمراض التربة الأمر الذي يقلل من استخدام المبيدات الكيميائية كذلك يمكن استخدام هذه التقيات في المد حيث لا تتوفر أي مساحة صالحة للزراعة وذلك باستغلال الشرفات والأسطح للإنتاج الزراعي.

وبينت النداف أن الزراعة بدون تربة تعد من الأمور التي لم يعتد المزارع العربي عليها نظراً لتوفر الأراضي الصالحة للزراعة في معظم البلدان العربية على اختلاف أنواع الترب في هذه البلدان إلا أن الدول الغربية لجأت لهذه التقنية للتغلب على مشاكل الزراعة في الأراضي التي لا تتوفر فيها الترب الصالحة للزراعة أو التي قد تكسوها الثلوج معظم فترات السنة ولكن نظراً ﻠ ندرة المياه التي تواجه بعض البلدان العربية وكثرة استخدام المبيدات والهرمونات وميتيل البروميد من أجل التخلص من المسببات المرضية وتحسين نوعية المحاصيل أصبح من الضروري اللجوء إلى وسائل أكثر تطوراً بهدف زيادة الكثافة النباتية في وحدة المساحة والتغلب على مشاكل عدم توفر الترب الزراعية أو عدم توفر المساحات الكافية للزراعة ومن أجل التحكم الأمثل بالتغذية المعدنية من خلال التحكم بالمحلول المغذي الذي يعطى للنباتات مما يؤدي لتحسين نمو النباتات وزيادة الإنتاجية والنوعية.

ويمكن تطبيق هذه الزراعة في الشرفات أو أسطح الأبنية

وتتميز الزراعة المائية عن الزراعة التقليدية في التربة وفق النداف بزيادة كفاءة استخدام الماء والعناصر الغذائية مما يساهم في الزراعة حتى في حال عدم توفر كميات كافية من الماء وكذلك يحمي المياه الجوفية والبيئية من التلوث لعدم رشح العناصر الغذائية وكل العناصر التي يتم إضافتها للنبات تكون بصورة جاهزة للامتصاص و بتركيز مناسب لنمو النبات إضافة إلى التحكم بدرجة حموضة المحلول مما يوفر امتصاص جيد للعناصر ولا يوجد فقد للعناصر بسبب الغسيل, بل على العكس يمكن إعادة استخدام المحلول المغذي مرات عديدة ( النظام المغلق ) وكذلك إمكانية الحصول على إنتاجية عالية ونوعية جيدة و     اختصار الوقت الناجم عن تحضير وتعقيم التربة الأمر الذي يعود بفوائد اقتصادية كبيرة و   إمكانية زراعة أنواع عديدة من المحاصيل الخضرية ونباتات الزينة وعلى مدار العام, و في أي مكان بغض النظر عن طبيعة التربة الموجودة في المنطقة المراد زراعتها.

 

مبادرات نوعية

لاشك أن هذا التوجه رافقه مبادرات هامة ساهمت في تحفيز الانتقال نحو زراعة أصناف جديدة حيث بدأت تطفو على سطح التفكير أسماء جديدة لزراعات لم تكن مألوفة من قبل كالاستيفا والزعفران والزعتر وغيرها الكثير ومن المبادرات الهامة تلك التي أطلقها  برنامج مشروعي التابع للأمانة السورية للتنمية ومبادرة معاً للاكتفاء الذاتي بالسويداء وهي مبادرة لنشر زراعة نبات الستيفيا وسبقها مبادرة زراعة الزعتر البري

ويشير هنا منسق البرنامج سعيد كحل إلى أن المبادرة تأتي ضمن سعي الأمانة السورية للتنمية لتقديم خدمات وحلول داعمة لأفراد المجتمع المحلي مبيناً أن توزيع الشتول شمل مناطق مختلفة المناخ بالمحافظة هي بلدتا المزرعة وقنوات وقرى الجنينة وعرمان والحريسة ومدينة السويداء كتجربة عملية لزراعة نبات الستيفيا ومعرفة المناطق الأكثر ملاءمة لنموه واحتياجاته وطرق إكثاره ليتم التوسع بزراعتها مستقبلاً بعد تقييم نتائج الزراعة لهذا العام.

والهدف حسب كحل هو نشر زراعة نباتات نوعية بشكل آمن ومدروس بغية استثماره مستقبلا بشكل صحيح وعلمي انطلاقاً من فوائدها الطبية والصحية كذلك التمهيد لتأسيس مشاتل على جغرافيا متنوعة بالمحافظة وتحديد أنسب الأماكن لزراعتها وأفضلها لجهة الإنتاجية للوصول إلى مرحلة اكتفاء المحافظة من هذه الأصناف.

 

اختبار حقيقي

يبدو أن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يمر به البلد استنهض همم أبناءه لحفر الصخر وفق المفهوم الشعبي السائد فكانت عملية اختبار حقيقي لهم في استثمار  ما هو متاح ليس لتجاوز أزمته فحسب بل الإبداع في ابتكار أساليب جديدة والتعامل مع التطور الحاصل لتحقيق أكبر إنتاج ممكن أما النتيجة الأهم فهي العودة إلى الريف وهي نتيجة غير قليلة على الصعيد السكاني