مجلة البعث الأسبوعية

القمة العربية.. إرادة تعريب الحلول   

“البعث الأسبوعية” ــ سمر سامي السمارة

لم تكن القمة العربية الثانية والثلاثون التي اختتمت أعمالها في مدينة جدة يوم الجمعة الفائت كسابقاتها من قمم السنوات الماضية، حيث كانت سورية – العضو المؤسس الذي غاب لمدة 12 عشر عاماً عن القمم العربية – حاضرة بقوة.

اختتمت القمة أعمالها بالتأكيد على محورية القضية الفلسطينية، والعمل على وقف الصراع في السودان، والترحيب بعودة سورية إلى الجامعة العربية، ودعم الجهود الرامية للتوصل إلى حل سياسي في اليمن، وكذلك قضايا الأمن القومي العربي والأمن الغذائي والملفات الاقتصادية والاجتماعية.

 

لقد اكتسبت القمة العربية في جدة أهمية بالغة بسبب توفر مجموعة من العوامل والمتغيرات الإيجابية، التي تتيح للدول العربية إيجاد حلول لعدد من النزاعات والتحديات، التي أثرت على أمنها واستقرارها خلال العقد الماضي، وفي صدارة هذه العوامل الإيجابية اتفاق السعودية وإيران برعاية الصين على استئناف علاقاتهما الدبلوماسية، وهو تطور يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، ويتيح فرصة ثمينة لحل الأزمات الإقليمية، خصوصاً الأزمة اليمنية، والحرب على سورية، اللتان أثرتا على الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.

ومن العوامل الإيجابية أيضاً، التي واكبت انعقاد القمة العربية في جدة، تهيئة الظروف لعودة سورية إلى جامعة الدول العربية، على أرضية تقديم حلول ناجعة تنهي أبعاد الحرب على سورية، ومن بينها مشكلة اللاجئين، حيث تتيح عودة سورية إلى الجامعة العربية الفرصة للم الشمل العربي، وإرسال رسالة إلى العالم بأن العرب جميعاً يعملون معاً.

فضلاً عن ذلك، فرض تفجر الأزمة السودانية في نيسان الماضي نفسه على جدول أعمال القمة، حيث تم التوقيع على “إعلان جدة” الذي نص على الالتزام بحماية المدنيين في السودان، الأمر الذي يعد من التطورات الإيجابية المهمة التي يمكن البناء عليها، في حل الأزمة السودانية، ومنع إطالتها، والإسهام في إقناع طرفي النزاع السوداني بخيار التفاوض وما تمخض عنه إلى الآن، يمثل عاملاً إيجابياً أتاح لقمة جدة الخروج بقرارات فعّالة في مواجهة التحديات الحالية التي يواجهها العرب.

 

ورغم أهمية القضايا التي تناولها البيان الختامي لقمة جدة، إلا أن القضية الأهم هي ظهور بوادر لبلورة إرادة لتعريب الحلول للازمات العربية، حيث كانت مشاركة سورية في القمة العربية بعد قطيعة دامت 12 عاماً، رغم معارضة أمريكا ودول غربية لهذه المشاركة من أهم مظاهر هذه الإرادة، الأمر الذي يكشف عن حصول تحول في السياسة لدى الدول العربية إزاء طريقة معالجة الأزمات والمشاكل التي تعصف بالمنطقة.

 

في هذا الصدد، كان للكلمة التي ألقاها السيد الرئيس بشار الأسد كبير الأثر، إذ حملت الكثير من التفاؤل بالتعاون على حل أزمات العرب ومشكلاتهم الداخلية، ولامست الحلول التي يجب اعتمادها لحل الأزمات والمشاكل العربية.

 

يمكن القول  أن قمة جدة كانت بمثابة فرصة أمام العرب لبحث مشاكلهم بأنفسهم بعيداً عن تدخل الآخرين، بعد أن اتضح لهم أن جُل هذه المشاكل هي من صنع جهات من خارج المنطقة، تكمن مصالحها في إثارة الأزمات والفتن والحروب بين دولها، وقد اتضح ذلك بشكل جلي، بعد أن اتخذت الولايات المتحدة والغرب والكيان الإسرائيلي، موقفاً رافضاً من التقارب الإيراني السعودي، ومن التقارب العربي السوري، وهذا الرفض جاء كتأكيد إضافي على أن هذه الجهات هي وراء كل الكوارث والمآسي، التي شهدتها المنطقة.

 

اللافت أنه وقبل انعقاد القمة العربية في جدة، هدد نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيدانت باتيل، العرب بقوله: ” لا ينبغي السماح بإعادة سورية إلى جامعة الدول العربية، وأنه يجب عدم رفع العقوبات عنها، ولا ندعم شركاءنا في القيام بذلك”.

 

وبالنسبة للكيان الإسرائيلي، كانت مشاركة الرئيس الأسد في قمة جدة بمثابة الكارثة، حيث نشرت وسائل إعلام هذا الكيان صورة مصافحة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للرئيس الأسد، وكتبت تقول أن ما يجري هو “انتصار هائل لسورية”. وفي نفس السياق، رأى مراقبون أن العدوان الإسرائيلي على غزة، والاقتحامات المتكررة للأقصى، والاعتداءات على الفلسطينيين، وتبني مشروع قانون يجرم رفع العلم الفلسطيني، ما هي إلا ردود فعل إسرائيلية، على التقارب العربي العربي، والإيراني السعودي، والإيراني المصري، وهي ردود فعل، تحتاج إلى أفعال عربية، أقلها تعزيز هذا التقارب بشكل أوسع وأعمق، فليس هناك ما هو أخطر على الكيان الإسرائيلي، والاحتلال الأمريكي غير المشروع في المنطقة، من التقارب العربي العربي، والعربي الإيراني.

 

في الواقع، بات واضحاً إن عودة سورية إلى الجامعة العربية في قمّة جدة تشير إلى تغييرات كبيرة مقبلة في الشرق الأوسط، و تشكّل انتصاراً لأصدقائها ونكسة للإمبريالية الأمريكية وأعوانها. وقد وأشار كبير الباحثين في جامعة العلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الروسية يوري زينين، إلى أن مشاركة الرئيس الأسد في أعمال القمّة العربية في جدة تركت انطباعاتٍ عميقة لدى المتابعين والمحللين، ومثّلت حدثاً مهمّاً في تاريخ هذه المنظمة العربية.

 

ولفت زينين إلى أن سورية كانت تنادي على الدوام بالعمل العربي المشترك، حتى في تلك الفترة التي عانى خلالها الشعب السوري من صعوبات كثيرة نتيجة الأزمة في البلاد الناجمة عن الحرب الإرهابية والتدخّل الخارجي فيها. وبيّن أن سورية ضربت بذلك المثال أمام العالم أجمع على الدفاع عن السيادة الوطنية مع التمسّك بالهوية القومية رغم كل الضغوط والتدخلات. وشدّد الباحث الروسي على أن الاعتراف بالدور السوري من جديد جاء بفضل صمود سورية التي قدّمت تضحياتٍ كبيرة، وانتصرت على جميع التحدّيات بمساعدة أصدقائها، وبالدرجة الأولى روسيا الاتحادية، ووقفت حائلاً دون انتشار وباء القرن الحادي والعشرين المتمثل بالإرهاب والتطرّف.

 

من جهته، قال كبير الباحثين في قسم الدراسات العربية والإسلامية في معهد الاستشراق الروسي بوريس دولغوف: “إن عودة سورية لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية تنطوي على أهمية كبيرة جداً، ليس بالنسبة للبلدان العربية فحسب، بل للعالم بأسره أيضاً، إذ إن هذا الحدث يعني فشل مخططات الولايات المتحدة و”إسرائيل”.