ثقافةصحيفة البعث

محمد عبد الكريم.. مبدع تربع على عرش الفن بجدارة

جمان بركات

آلة البزق قديمة قدم التاريخ، ويقال إن العود من أحفادها، وفي مراحل سابقة كان لها تسميات خاصة حسب الشكل، القصر، الطول، الضخامة، وقد طوّر المبدعون البزق ومنحوه روح الشرق، لكنه لم يأخذ مكانه الحقيقي بين الآلات الشرقية كالعود والقانون، مع أنه سيّد الآلات الوترية الرنانة، وقد انتشرت هذه الآلة من خلال بعض العازفين كالملحن محمد عبد الكريم من سورية، ومحمد عارف من العراق، ومحي الدين بعيون من لبنان الذي يقال إنه من أتى بالبزق.

حياته

ولد عازف البزق محمد بن علي المرعي الملقب بمحمد عبد الكريم عام 1911 وترعرع في مدينة حمص في حي الجوالة ثم في عكرمة أو حي الخضر، تتلمذ عند الشيخ عثمان بمدرسة الإنكليز (الإنجيلية)، ثم تعلّم وعاش في بيئة فنية، حيث كان أبوه وأخوه يحييان الحفلات الموسيقية والغنائية للأعراس والموالد، ثم سافر إلى لبنان، وعاد أدراجه إلى حمص ليعمل كعازف مع مغنٍّ مصري اسمه محمد البخيت الذي عاصر الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، ثم انتقل إلى حلب وبقي فيها مدة ثم غادر إلى لبنان، وفي عام 1921 انتقل إلى فلسطين واستقر في يافا، لكن الحظ لم يحالفه بالنجاح كما أراد لكثرة المغنين فيها.

أمير البزق

احتضنته الإذاعة السورية وله فيها تسجيلات كثيرة، منها معزوفة افتتاحية برامج الإذاعة التي تبثّ حتى الآن قبل النشيد العربي السوري، ويعتبر عبد الكريم من أسرع عازفي البزق بالعالم، حيث سبق له وتنافس مع العازف التركي الشهير والسريع جداً شنشلار وفاز عليه بالسرعة، وتعتبر معزوفة محمد عبد الكريم “رقصة الشيطان” من أصعب وأسرع المعزوفات على البزق.

ارتبط لقب أمير البزق باسم محمد عبد الكريم، لكن هذا اللقب لم يأته من إنسان عادي، وإنما من الملك فيصل ملك العراق، ففي إحدى الحفلات التي أحياها في باريس حضر الملك فيصل الذي كان في زيارة لفرنسا، وفي نهاية الحفلة قام الملك بتهنئة محمد عبد الكريم على عزفه الرائع وقال له: “أنت أمير هذه الآلة”، فطلب عبد الكريم من الملك كتاباً خطّياً لمنحه هذا اللقب، وبالفعل أصدر الملك كتاباً ملكياً بتسمية محمد عبد الكريم أميراً لآلة البزق مذيلّاً بالخاتم الملكي، ومنذ ذاك اليوم عُرف محمد عبد الكريم بأمير البزق، ولقب أيضاً بألقاب كثيرة منها: شيطان البزق، باكنيني البزق، ملك البزق.

رقة حسنك وسمارك

لحن أمير البزق محمد عبد الكريم الكثير من الأغنيات لمشاهير المطربين والمطربات أمثال: سعاد محمد، صالح عبد الحي، ماري مكاوي، فهد نجار، فايزة أحمد بأشهر أغانيها “يا جارتي ليلى”، والقصة الأكثر طرافة وجمالاً هي قصته مع المطربة نجاح سلام، والأغنية الخالدة التي لحنها لأجلها “رقة حسنِك وسَمَارِك”، إذ بحسب ما تروي نجاح سلام في تسجيل إذاعي نادر أن والدها محي الدين سلام، (وهو أديب ومؤلف موسيقي، كان يعمل رئيساً للدائرة الموسيقية في الإذاعة، وكان منزله يغصّ برواد الفن والهواة)، اكتشف محمد عبد الكريم في صحراء حمص، وأحضره معه إلى بيروت، واستضافه في منزله، ولأنه كان صغير الحجم ارتأت والدة نجاح “أم عصام” أن ينام في غرفة طفلتها “نجاح”، وصار إذا بكت الطفلة يعزف لها على البزق فتسكت، وتنسجم، ثم تنام، فقال لوالدتها: ابنتك ستكون فنانة، وتمرّ الأيام، والسنون، حتى سنة 1948 انطلقت في عالم الغناء، وتلتقي بمحمد عبد الكريم في بيت “الجزائري” بدمشق، ويقول لها: “إنتي عم تغني أغاني أقل من مستوى صوتك، منشان هيك أنا بدي أعطيكي أغنية بتليق بصوتك”، وقدم لها أغنية: “رقة حسنك وسمارك”، وكانت نجاح سلام، ككثيرين غيرها من المطربين اللبنانيين، قد انطلقت من إذاعة دمشق، وبعد أن تدرّبت على أغنية “رقة حسنك وسمارك”، جرى تسجيلها في أستوديو الإذاعة، على الهواء مباشرة.

تطوير البزق

كان محمد عبد الكريم موسيقياً عبقرياً في مختلف أشكال العطاء الموسيقي، فقد كان يتمتع بموهبة خارقة في مختلف المجالات الموسيقية، تدعمها ثقافة موسيقية واسعة، حيث نهل من العلوم الموسيقية والتراث الموسيقي العربي، وتعمّق في آلة البزق، حتى كشف أسرارها، فأصبحت بين يديه آلة طيعة، آلة تملك إمكانات غير محدودة وبحاجة إلى تطوير دائم، لذلك عمل على زيادة عدد الأربطة التي تلفّ على الزند، فعدّل فيها وطوّرها لتلبّي احتياجاته وعطشه إلى أنغام تستطيع أن تعبّر عن إمكاناته غير المحدودة ليواكب الآلات الموسيقية الأخرى أثناء العزف، ويعود الفضل إليه في أنه أوّل من أدخل “التانغو والسيراناد” على البزق وأضاف إليه أوتاراً جديدة، لذلك كان يقال فيه: “وزاد في الطنبور نغماً”، وقد أصبحت آلة البزق شغله الشاغل، وكان همّه الأكبر أن يجعل منها آلة محترمة، كما كان يردّد دائماً، وتجلت براعته عليها في قدرته الفائقة على عزف أية مقطوعة موسيقية في أقل وقت ممكن، ولم تكن مهارته مقتصرة على آلة البزق وإنما على العود وجميع الآلات الوترية التي تعتمد على الريشة في العزف، وهكذا جعل محمد عبد الكريم لآلة البزق مكانة مرموقة وممتازة فاستحق لقب أمير البزق.

غادر مطمئناً

أحبّ محمد عبد الكريم الإذاعة وعشقها ولحن لها عواطف الحب والجمال والحنين والألم والأمل والعطاء والمجد طيلة أربعين عاماً، حيث رفع لواء آلة البزق عالياً في سماء التخت الشرقي، وحفظ للفن مكانته ودافع عن كرامته من خلال ألحانه الخالدة، وبقي حتى أواخر حياته فقيراً معدماً يسدّ رمق عيشه من عرق جبينه، واستقر في مدينة دمشق يسكن في غرفة متواضعة بحي عين الكرش رافضاً الانصياع لتيار الأغنية الشبابية وإعطائها ألحانه وبقي محافظاً على مبادئه وفنه ولم يلق بألحانه في سوق الفن الاستهلاكي، رغم أنه كان يعيش شيخوخة صعبة من قسوة العيش براتب تقاعدي بسيط، وغادر محمد عبد الكريم الحياة في عام 1989، لكنه كان مطمئناً قبل وفاته على البزق بوجود الموسيقي سعيد يوسف الذي شغف أيضاً بآلة البزق.