ثقافة

رحل تاركاً وراءه أثراً فنياً وإنسانياً كبيرين عمر حجو.. ألم آخر للسوريين

تبدو آلام السوريين في هذه الأيام كثيرة ليبقى الألم في فقدنا لمن نحب ونحترم هو الأكبر، فكيف بفنان وإنسان كبير كعمر حجو الذي رحل في زمن الدموع والآهات ليزيد آلامنا ألم الفقد لفنان وإنسان أجمع الكل على أن غيابه خسارة كبيرة ليس للفن السوري فحسب بل لكل معاني الطيبة والبساطة والعفوية، وهذا ما أشار إليه أصدقاؤه وزملاؤه في مشواره الطويل.
خسارة كبيرة
يؤكد الفنان الكبير رفيق سبيعي وهو رفيق درب الراحل عمر حجو أن رحيله خسارة كبيرة للساحة الثقافية بشكل عام والفنية بشكل خاص، مبيناً أن مشوار حجو كان طويلاً وغنياً، تنقّل فيه بنجاح بين محطة وأخرى بفضل مثابرته واجتهاده وحبّه الكبير والفطريّ لكل ما له صلة بالفنّ.. من هنا كان فناناً شاملاً، لم يبخل على عالم الفنّ بأية موهبة من مواهبه الكثيرة التي كان يتمتع بها، وقد كان من أوائل الفنانين الذين ظهروا عبر التلفزيون السوري في أولى برامجه وقد نال إعجاب الجمهور، كباراً وصغاراً، خاصة وأنه أطلّ على عالم الصغار من خلال برنامج الأطفال الأول “نادي الأطفال” عام 1963. ويشير سبيعي إلى الحضور المتميز الذي حققه حجو في فن البناتومايم الذي استطاع من خلاله أن يتناول مواضيع كثيرة دون كلام، مبيناً أنه بات لا يخفى على أحد أن حجو كان صاحب فكرة مسرح الشوك الذي أصبح علامة فارقة في مسيرة المسرح في سورية، كما كان وراء فكرة تأسيس مهرجان دمشق المسرحيّ وقد شارك في أولى دوراته من خلال عرض “جيرك” الشهير، وينوه سبيعي إلى تجاربه المتميزة مع الفنان دريد لحام من خلال مسرحيات “غربة-ضيعة تشرين-كاسك يا وطن” وغيرها.. ويتابع سبيعي كلامه ليختصر متمنياً من الفنانين الشباب اتخاذه نموذجاً وقدوة حسنة لمن أراد أن يمشي في دروب الفنّ الأصيل.

رفيق الجوع والفقر
أما المخرج التلفزيوني غسان جبري فيصف عمر حجو بأنه رفيق الجوع والفقر، وهو الذي التقى به عام 1961 عندما كان قادماً من مدينته حلب التي كان يعشقها إلى دمشق، مبيناً أن حجو أتى من المسرح إلى التلفزيون السوري في بدايات بثّه، فكان أحد أبرز الوجوه الفنية التي استطاعت خلال فترة قصيرة أن تنال محبة الناس وإعجابهم، ويذكر جبري جيداً كيف تفوق حجو في إحدى المرات على أحد أبرز الإيمائيين القادمين من الهند، ويذكر كذلك أن أولى مشاركات حجو كانت من خلال برنامج دراميّ يحمل عنوان “ساعي البريد” إخراج الفنان سليم قطايا، وينوّه جبري إلى أن لقاءات عديدة جمعته بحجو درامياً، وكان أجملها في مسلسل “حكايا الليل” من خلال حلقة حملت عنوان “يا نصيب” ويشير جبري إلى أن حجو كان وفياً لأصدقائه ولوطنه بشكل لا يُصدَّق وأن أجمل ما تركه بالإضافة إلى أعماله الكثيرة وتاريخه الفنّي المشرّف ابنه الليث حجو كمخرج موهوب سيذكرنا دائماً بأبيه.

ظلّ عصياً على الغرور
ويشير المخرج التلفزيوني علاء الدين كوكش إلى أن غياب عمر حجو كقامة فنية كبيرة خسارة كبيرة للوسط الفني وهو الذي كان أحد أبرز الفنانين الناشطين في مجال المسرح والتلفزيون، مؤكداً أن نشاطه على كل الأصعدة كان ملفتاً للانتباه ومحطّ إعجاب الجميع، بالإضافة إلى ديناميكيته وانفتاحه كفنان على كل التجارب فكان محباً لكلّ المحيطين به، متواضعاً وعفوياً وقد ظلّ محافظاً على ذلك رغم شهرته ونجوميته التي لم تجعله يحيد عما اتصف به من صفات إنسانية عظيمة، ويبيّن كوكش أن آخر لقاء مسرحي جمعه كمخرج مع حجو كان من خلال مسرحية “السقوط” مع الفنان دريد لحام والتي قُدِّمت على أمل أن تجول بعد ذلك في أقطار الوطن العربي ومن ثم في أوربا إلا أن الأحداث في الوطن العربي حالت دون ذلك، موضحاً أن حجو كان شخصاً طيباً، يجيد التعامل مع الآخرين لثقافته العالية ومحبته الكبيرة لكل من يحيط به، وقد ظلّ عصياً على الغرور، محتفظاً بطيبته وبساطته، لذلك يؤكد كوكش أن حجو الذي عرفه منذ نصف قرن هو نفسه الذي رحل أمس، حيث لم تغيره الشهرة ولا أضواء الفنّ، وبذلك فإن الفن في سورية لم يخسره كفنان فقط وإنما كإنسان يتمتع بمواصفات ندر من يتمتع بها اليوم.

الوطنيّ بامتياز
ويرى نقيب الفنانين الفنان زهير رمضان وهو ينعي الفنان عمر حجو أن الفن في سورية قد خسر أحد أعمدته برحيل هذا الفنان المؤسس للفن في سورية وقد كان قامة فنية وثقافية كبيرة يعتز بها عالم الفن السوريّ وهو الذي كان معروفاً بأنه من أكثر الفنانين الذين كانت لهم علاقات مع الآخرين على الصعيد الفني والإنسانيّ، فمسيرته الحافلة والغنية بالإنجازات جعلته خير معين لكل مَن يطلب النصيحة والإرشاد، مؤكداً أن هذا الفنان الوطنيّ بامتياز لم تسلخه الشهرة والنجومية عن مجتمعه وقد ظلّ قريباً من أفراده ومحباً للأدوار التي تعبّر عن كل شرائح المجتمع، منوهاً بأن مشوار حجو الطويل من الصعب اختصاره في لحظات الحزن والوداع إلا أنه يؤكد أن هذا الفنان الإنسان سيبقى في ذاكرة كل من عرفه عن قرب وعن بعد، رحل تاركاً وراءه أثراً كبيراً.
وخلال تشييع الفنان الراحل توقفت “البعث” مع بعض الفنانين المشاركين في التشييع حيث أشار عضو المجلس المركزي لنقابة الفنانين محسن غازي إلى الصدمة التي شكلها رحيل عمر حجو لأبناء المهنة لأنه كان مميزا على الصعيد الفني والإبداعي والوجداني، ولأنه كان أباً ومربياً للفنانين السوريين وسيترك فراغاً كبيرا لن يستطيع احداً ملأه وتقدم غازي بالعزاء للجمهور العربي والسوري وللفنانين السوريين، ودعا بالرحمة للفقيد والصبر والسلوان لذويه لأن قامة كبيرة ترجلت، لكنها تركت إرثا لا ينسى في تاريخ الحركة الفنية العربية.

أسلوب فني متميز
أما الفنان عباس النوري فقد رأى أن الراحل الكبير شكّل حالة فنية متميزة عبر تاريخه، كما شكل أسلوبا مختلفا يجب أن يدرس في الجامعات والمعاهد الفنية لفرادته وامتيازه، ولكونه محور النجاح لأي عمل فني يشارك به، والرافعة الأساسية له وقد ترك إرثا كبيرا في تاريخ الحركة الفنية العربية والسورية.
بدوره لفت الفنان فيصل عبد المجيد رئيس فرع دمشق لنقابة الفنانين إلى أن الفنان الرائد من جيل المؤسسين لنقابة الفنانين والحركة الفنية في سورية، وقد عرفه وتابعه منذ كان صغيرا مع أسرة مسرح تشرين، وقد كان كبيرا فنيا وأدبيا وكان إنسانا محترما بما تعنيه الكلمة وإحدى القامات الكبيرة في فرع دمشق لنقابة الفنانين.

الشعور باليتم
وأشار الفنان محمد خير الجراح إلى الهزّة الكبيرة التي أحدثها غياب الفنان حجو والى حالة اليتم التي خلفها الراحل خصوصا لفناني حلب الذين باتوا يشعرون بهذا الشعور بعد رحيل الفقيد الرائد لأنه كان يعتني بهم ويرعاهم كالأبناء.
من جهته أشار رئيس دائرة التمثيليات في التلفزيون العربي السوري حسن حناوي إلى القيمة الكبيرة لهذه القامة الفنية التي لا تضاهى وخصوصا في المسرح الفني المميز والناقد مسرح الشوك منبع كبار القامات الفنية في سورية وأشار إلى  الخسارة الكبيرة لهذا الفقد الكبير ودعا بالرحمة للفقيد.
وختم المنتج محمد قبنض بالرحمة لروح الفنان عمر حجو الذي كان لبسمته اثر البلسم على كل من حوله وهو الذي ترك حالة إبداعية مميزة في تاريخ الفن السوري حيث قدم الفنان الراحل قيمة كبيرة لكل الأعمال التي شارك فيها في الإذاعة والتلفزيون والسينما.
وقد ودع فنانو سورية صاحب مسرح الشوك بالدموع والورود بعد أن كان يرسم بأشواكه الناقدة ابتسامات على كل الوجوه ويفتح طريقا كان يهابه الآخرين.. عمر حجو وداعاً.
أمينة عباس- مرهف هرموش