مجلة البعث الأسبوعية

يشفطون 2000 مليار ليرة من خزينة الدولة.. من يحمي كبار المكلفين ويمنع محاسبتهم؟ لا نتائج ملموسة لبعثة التفتيش المكلفة بالتحقيق بأسباب التراكم الضريبي

“البعث الأسبوعية” ــ علي عبود

في عام 2015، كشف اتحاد العمال أن قيمة التهرب الضريبي تتجاوز 200 مليار ليرة سنوياً، أي ما يعادل 8% من من الناتج المحلي الإجمالي في سنوات ما قبل الحرب على سورية؛ ولم نستغرب ما استنتجه رئيس قسم المحاسبة بجامعة دمشق، الدكتور إبراهيم عدي، بأن حجم التهرب الضريبي يبلغ حالياً 2000 مليار ليرة، أي ازداد عشرة أضعاف خلال خمس سنوات، وقد يكون الرقم الفعلي أكبر بوجود منشآت اقتصادية كبرى غير مسجلة!

ومن الملفت أن يتحدث وزراء المالية طوال عقود عن مشاريع التطوير والإصلاح المالي، دون أن يمسوا الأهم فيها، أي التشريع الضريبي الذي لا يزال نافذاً منذ عام 1949، والملفت أكثر أن يكشف رئيس الحكومة السابق عن “ملفات ضريبية متراكمة لرجال أعمال هناك من يحميهم!”؛ وكنا ننتظر لاحقاً الكشف عن كبار رجال الأعمال المتهربين من دفع الـ 2000 مليار، ولكن هذا الأمر لم يحصل، وكنا ننتظر أيضاً الكشف عمن يحمي المتهربين من دفع الضرائب لمحاسبتهم، ولكن ذلك لم يحصل أيضاً؛ فمتى تنجز وزارة المالية الآليات الفعالة لاجتثاث التهرب الضريبي لاستعادة حقوق الدولة والشعب؟

 

خيانة وطنية

لقد دعا رئيس الحكومة السابق، في كانون الثاني 2020، إلى “تصويب آلية جباية الضرائب، ومكافحة التهرب الضريبي الذي يعتبر في دول العالم بمثابة خيانة وطنية”، لكن لم تتحرك وزارة المالية، ولا مجلس الوزراء، بعد هذه الدعوة المباشرة لإنجاز آلية فعالة لجباية الضرائب، أي أن الدعوة كأنّها لم تكن!! وعندما يكشف رئيس الحكومة السابق عن ملفات ضريبية متراكمة تعود لأصحاب شركات ورجال أعمال (ما يؤكد أن هناك من يحميهم)، فإن السؤال: لماذا لم تحقق “المالية” مع أصحاب الشركات الذين يتهربون من دفع ضرائبهم، وتُوجه لهم تهمة الخيانة الوطنية؟

لقد رأى رئيس الحكومة السابق أن حماية كبار المكلفين “أمر مرفوض قطعاً، ولا نقبل النقاش فيه، فمرجعية الضرائب يجب أن تكون حقيقية ونزيهة وبعيدة عن المحسوبيات”، ولكن ذلك لم يُترجم إلى إجراءات وقرارات!

ولقد كشف وزير المالية السابق، في شباط 2020، بأن رجل أعمال من كبار المستوردين، تبلغ قيم إجازات الاستيراد باسمه نحو 9 مليارات ليرة سنوياً، كان يقدم بيانات للمالية بأنه خاسر، كي لا يدفع الضرائب، علماً بأن جلّ مستورداته مواد غذائية مطلوبة من السوق، كما كشف عن تاجر آخر يدفع 150 ألف ليرة سنوياً في حين حجم عمله الحقيقي كبير جداً، والأهم تأكيد وزير المالية السابق بأن هذه ليست حالات استثنائية، أي انها حالات كثيرة محورها التهرب الضريبي. ومع أن الوزير السابق وعد بمعالجة ملفات التراكم الضريبي التي تعود إلى العام 2005، وتقدر بمئات مليارات الليرات خلال عام 2020، إلا أن هذا الوعد لم يتحقق، ولا يزال حجم التهرب يتجاوز مبلغ 2000 مليار ليرة.

الملفت أكثر تأكيد وزير المالية السابق وجود 27 تشريعاً للضرائب لم يتم تحديثها، وهو بمثابة نقد، أو بالأحرى اتهام لأسلافه، وزراء المالية الذين سبقوه بأنهم لم يفعلوا شيئاً على صعيد الإصلاح المالي والضريبي؛ فهل الإصلاح المالي عصي على الإنجاز، أم أن كبار التجار ورجال الأعمال وحيتان المال يعرقلون أي إصلاح مالي وضريبي؟

وبما أن وزارة المالية تعرف جيداً أن التشريعات النافذة غير مواكبة للواقع الاقتصادي، وتتيح التهرب الضريبي والتحايل على المالية، وبما أنها أعلنت مراراً أن العديد من التجار وغيرهم من المكلفين لا يفصحون عن حجم أعمالهم الصحيح، وبعضهم لا يدفع أبداً كونه يظهر في البيانات أنه خاسر، فلم لم يصدر النظام الضريبي الجديد الجاهز منذ سنوات لتلافي الثغرات والقضاء على ظاهرة التهرب التي تستنزف خزينة الدولة؟

 

إلى أين وصلت البعثة التفتيشية؟

لقد تشكلت بعثة تفتيشية موسعة، مع نهاية شهر تشرين الأول من العام 2019، للتحقيق بأسباب التراكم الضريبي لا سيما لكبار المكلفين، وكنا ننتظر ان تتوصل – مع دعم إعلامي لها من قبل رئيس الحكومة السابق – إلى نتائج حاسمة تنهي تهرب حيتان المال من دفع الضرائب المتوجبة عليهم، فماذا كانت الحصيلة؟

كالعادة: الحصيلة صفر، فاللجنة لم تعلن عن اسم متهرب واحد من كبار المكلفين، ما يؤكد أنهم محميون حسب اعتراف رئيس الحكومة السابق.

وبحسب تصريح لرئيس البعثة ومدير الاستعلام الضريبي في وزارة المالية، منذ أكثر من عام، وتحديداً في 16 شباط 2020، أي بعد أسابيع قليلة من عمل اللجنة، فإن ملفات التراكم الضريبي تعود إلى العام 2005؛ ونستنتج أن جميع الحكومات السابقة، وتحديداً حكومة 2003 / 2010، تقاعست ولم تكن جادة بملاحقة كبار المكلفين، أي حيتان المال، بل كانت تعتبرهم شركاء لها بتطبيق نظام اقتصاد السوق الليبرالي اللااجتماعي – أي المتوحش. ومع أن رئيس اللجنة وعد بإنجاز ملف التراكم الضريبي خلال ستة أشهر، فقد مضى أكثر من عام على هذا الوعد دون أي نتائج حاسمة!! ولقد أكد وزير المالية السابق أن الوزارة وهيئة الضرائب والرسوم لا تستطيعان وحدهما أن تحدا من التهرب الضريبي وتحقيق العدالة الضريبية “لأننا بحاجة إلى تعديل القوانين”، وهذا صحيح، لكن من منع وزارة المالية على مدى العقود الماضية من تعديل القوانين لإصلاح التشريع الضريبي؟

 

من يدفع الضريبة حالياً؟

وإذا كان حجم التهرب الضريبي يتجاوز مبلع 2000 مليار حالياً، وإذا كان كبار المكلفين لا يسسدون قرشاً واحداً لخزينة الدولة، فمن يدفع الضريبة حالياً؟

يرى رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي أن نسبة الضرائب على أصحاب الدخل المحدود، في القطاعين العام والخاص، تصل إلى 25%، مع أنهم يجب أن يكونوا معفيين، إذ يجب أن تتركز جباية الضرائب على رؤوس الأموال وأصحاب الشركات ورجال الأعمال، وليس على الإنفاق الإستهلاكي. ومع أن هناك شبه إجماع بأن نظام الفوترة والدفع الإلكتروني يحد من التهرب الضريبي فإنه ما من وزير مالية أو وزير للتجارة الداخلية – حتى الآن – كان جاداً بتطبيق نظام الفوترة، فالموضوع مؤجل إلى أمد غير منظور، لأن غرف التجارة ترفض الفوترة بالمطلق، وولأن هناك نشاطات تجارية ضخمة غير مسجلة؛ وقد كشف وزير الاقتصاد السابق أن أكبر أربعة مستوردين للأقمشة في سورية ليست لديهم سجلات تجارية بأسمائهم، وهذا اعتراف خطير بتقصير وزارات الاقتصاد والمالية والتجارة الداخلية المنشغلة بملاحقة صغار المكلفين، أو بفرض ضرائب مباشرة تطال المستهلكين وملايين ذوي الدخل المحدود.

لقد كلفت الحكومة السابقة هيئة الضرائب بوزارة المالية بإعداد مشروع للأتمتة الشاملة للإدارة الضريبية يكفل فعالية الانتقال إلى نظام مؤتمت يلبي الاحتياجات الفنية للنظام الضريبي، وتوحيد برمجيات العمل المؤتمتة، وبناء قاعدة بيانات مركزية بالتعاون مع كل الجهات، وكانت النتيجة

صفر!! مثل السنوات السابقة التي أعلنت فيها وزارة المالية عن مواعيد محددة لبدء تطبيق الأتمتة.

 

بانتظار المحاسبة

ومهما كان شأن المكلفين – كباراً أو صغاراً – لا يمكنم أن يتهربوا من دفع الضرائب دون تواطؤ أو إتفاق شفوي بين المكلفين وبعض المحاسبين في وزارة المالية، مقابل أجر مقطوع أو شهري، بل إن بعضهم يعمل لدى كبار رجال الأعمال. وقد كشف وزير المالية، كنان ياغي، أمام مجلس الشعب، في جلسة 2 /11 /2020، عن وجود مؤسسات ضخمة ليست موجودة على سجل الضريبة، لكنه لم يذكرها بالإسم. وأكد ياغي أن الوزارة سوف تقوم بتحسين وتعزيز كفاءة التحصيل الضريبي والحدّ من التهرب الضريبي بملاحقة كبار ومتوسطي المتهربين، والتخفيف الضريبي على محدودي الدخل، وأن الحكومة سوف تسعى بكل الطرق القانونية لتحصيل حق الدولة من الضرائب ذات الملاءة المالية العالية لتعزيز مواردها والحدّ مما يسمى المكتومين. والجديد في هذا الملف سعي الوزارة لتوقيع مذكرة تفاهم مع المصرف المركزي لإحالة المتهربين ضريبياً إلى هيئة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب على اعتبار أن التهرب الضريبي هو الجريمة رقم 18 في بند غسل الأموال والإرهاب، الأمر الذي يتطلب التشدد في العقوبة. وكشف وزير المالية أنه تم شطب وسحب الترخيص لمحاسبين قانونيين ثبت تورطهم في جرم التهرب الضريبي ومساعدة المكلفين على ذلك، لكنه لم يوضح فيما إذا كان سيتم محاسبة المتورطين.. ومتى؟

 

ماذاعن القائمة السوداء؟

في مطلع عام 2019، كشف وزير المالية السابق أن “وارداتنا الضريبية ليست بخير”، وحمّل مراقبي الدخل جزءاً مهماً ومباشراً عن التهرب الحاصل، معتبراً أنه عندما يحقق الاستعلام الضريبي عشرات مليارات الليرات فذلك على فساد عمل مراقبي الدخل، ليخلص إلى أن “الخلل والثغرات لا يمكن أن تكون في التشريعات والقوانين الناظمة للعمل، وإنما في تنفيذ مراقبي الدخل لمهامهم المكلفين فيها”، وأشار حينها إلى أن المراقبين يحابون المكلفين بتجهيز وإعداد دفاترهم، كاشفاً أن لدى الوزارة العديد من أسماء مراقبي الدخل المتورطين بحالات فساد سيتم محاسبتهم ونقلهم من عملهم، مهدداً أنه في حال لم يتحسن عمل مراقبي الدخل وتنتهي حالات الفساد التي يعمل بها البعض منهم، سيتم إعلان أسماء المراقبين الفاسدين في وسائل الإعلام، وذلك من باب الردع والمحاسبة “لأن سمعة مراقبي الدخل باتت سيئة وغير مرضية وهو ما لا يمكن السماح به”،

وكشف الوزير أن العديد من مراقبي الدخل يعملون محاسبين لدى الجهات نفسها المكلفين بها، مشيراً إلى علاقات وتشبيك مع أصحاب هذه المنشآت تدفع ثمنه الخزينة العامة.

 

ماذا عن لجان الإصلاح؟

إذا عدنا إلى العقود الأربعة الماضية، سنكتشف أن الحكومات السابقة شكلت عدة لجان لإصلاح التشريع الضريبي؛ ومن تابع بيانات وزير ماليتنا قي تسعينيات القرن الماضي لاستنتج إن الإصلاح الضريبي يسير بوتيرة سريعة، بل وقارب على الإنجاز، لنكتشف في عهود من خلفه أن العمل لا يزال سارياً بتشريع عام 1949، وأن ما تحقق لم يكن أكثر من ترقيعات لتشريع قديم جداً، وليس إصلاحاً مالياً وضريبياً.

وفي عام 2018، شكلت وزارة المالية، من جديد، لجنة لإصلاح التشريعات الضريبية، لكنها مثل سابقاتها عقدت بضعة اجتماعات ثم توقفت عن العمل دون معرفة الأسباب. والملفت – بل المريب – أن اللجنة كانت حققت نتائج وإنجازات تشريعية مهمة قبل.. وأدها، مثل سابقاتها.. ومن جديد، أيضاً وأيضاً، شكل وزير المالية، في 5 كانون الثاني الفائت، لجنة لدراسة النظام الضريبي السوري ومراجعة التشريعات الضريبية النافذة واقتراح التعديلات التشريعية اللازمة في إطار رؤية إصلاح السياسة الضريبية، وفي ضوء السياسة المالية والاقتصادية العامة للدولة،

والسؤال: هل ستنجح هذه اللجنة بإنجاز مشاريع الإصلاح المالي والضريبي، أم ستخلفها لجنة أخرى، وأخرى، إلى أجل غير محدد؟

 

إعادة الإيرادات الضائعة

وزير المالية الجديد، الدكتور كنان ياغي، أطلق تصريحات قوية وجريئة تعزز القناعة بأن الإصلاح المالي والضريبي بات قريباً جداً، وأكد أن جرائم التهرب الضريبي ستدخل ضمن قانون غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأن جرم التهرب الضريبي سيكون بانتظار أي تباين بين مراقبي الدخل والاستعلام، وأن الوزارة ستعمل على إعادة الإيرادات الضائعة لرفد الحكومة بالتمويل اللازم للإنفاق العام، وقالها جازماً: “لن نقبل بظاهرة التهرب الضريبي ولن نتهاون معها ولا مع من يساعدعليها”، وخاطب التجار مباشرة: “التهرب الضريبي حالة غير صحية بالمطلق، وتستوجب متابعتها وإنهائها بالطرق القانونية المتاحة حفاظاً على حقوق الخزينة”.

والخلاصة.. لن تتمكن وزارة المالية من تحصيل حقوق الدولة، وبخاصة من كبار المكلفين، إلا بإصلاح حقيقي للتشريعات الضريبية، وليس بترقيعات على نظام تجاوز عمره السبعين عاماً، وبأتمتة أعمال المالية وبالجباية الإلكترونية؛ وإذا كانت الوزارة تنتظر موافقة التجار وحيتان المال على تحقيق الإصلاحات فإنها بذلك تشجع على التهرب الضريبي أكثر فأكثر، أي على السماح لكبار المكلفين بشفط مئات المليارات سنوياً من خزينة الدولة، فهؤلاء كانوا وسيبقون بالمرصاد لأي إصلاح!!