ثقافة

رحلة في رحاب الشعر والأدب الفارسي والاحتفاء بأمير الغزل شهريار

ليس غريباً عن حضارة عريقة كالحضارة الفارسية التي بلغت أصقاع الأرض في مختلف الميادين أن تكون حاضرة وبقوة في مجال الأدب والشعر فقد خرج من تلك الأرض مبدعون خلد التاريخ أسماءهم ومنهم الشعراء وكالعادة تحتفي إيران بأدبائها وشعرائها حيث خصصت يوماً محدداً لكل منهم، من هنا كان احتفاء  المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق بالشاعر محمد حسين شهريار عبر ندوة “في رحاب يوم الشعر والأدب الفارسي” شارك فيها كل من الأستاذة عفت زكريا ود. فخري بوش. في البداية تحدثت زكريا عن حياة الشاعر شهريار وهو سيد حسين محمد وكانت ولادته عام 1907 في تبريز وقد هاجرت أسرته إلى قرية خوشوكناف ليعيش في بيت متواضع مع أسرته هرباً من الاضطرابات التي رافقت الحركة الدستورية في تبريز وبالتأكيد أكسب جمال الطبيعة في تلك القرية شهريار صفاء النفس ورهافة الحس، وكان والده يتعهده بعلوم اللغة العربية والعلوم الشرعية. وأضافت زكريا: في عام 1913 عاد شهريار إلى تبريز  ليبدأ تحصيله الدراسي وينتقل بعد ذلك إلى المدرسة المتحدة لدراسة العلوم الحديثة، كما تعلم اللغة الفرنسية والخط والعزف على العود وقرر دراسة الطب عام 1924 وكاد يتخرج طبيباً، لكن حبه لزميلة الدراسة وعدم تمكنه من الزواج بها بسبب ضيق ذات يده كما تقول المصادر، أصابه بالإحباط ليتحول حبه لها إلى عشق شديد أضعف جسده إلى أن وجد في قرض الشعر الغزلي مواسٍ له فكتب أجمل الأشعار في العشق الصادق معبراً عن أفكاره وآلامه حتى لُقب بأمير الغزل. ومن قصائده القمر المسافر – زاد الشعر–  فراشة في النار– الحب القديم. وأكدت زكريا أن شهريار كان ينشر قصائده في البداية باسم بهجت تبريزي لكنه عندما شعر بالاغتراب بعد سفره إلى طهران غيّر لقبه الشعري إلى شهريار التي تعني بالفارسية حبيب البلاد ليختصر هذا الاسم عشقه لوطنه. كما توالت الصدمات عليه بعد خسارته لمحبوبته وفقده والده وفيما بعد والدته، وبالطبع كان لانتصار الثورة الإيرانية المظفرة كما تقول زكرياً مكان في قصائد شهريار، كون تلك الثورة غيرت وجه إيران وقضت على الظلم والاستبداد فقد نظم فيها شهريار القصائد الوطنية، وأتيح له شرف لقاء قائدها الإمام الخامنئي ليقرأ بحضوره إحدى القصائد. وعنه قال المرشد الديني للثورة كان كبيراً بنتاجه الأدبي ومفخرة لأنه لم يتكسب بشعره بل كان أبياً عزيز النفس غيوراً على بلده ودينه. كانت وفاة  شهريار عام 1988 في داره المتواضعة التي تضم أشيائه البسيطة، لكنه ترك إرثاً عظيماً لا يقدر بثمن ويمكن تلخيص حياته بكلمة واحدة “الحب” بكل معانية، حب الطبيعة والوطن والوالدين والحبيبة والفن وتوّج ذلك حبه للنبي محمد (ص) وللإمام علي كرم الله وجهه وللحسين وفيهم كتب القصائد والمناجاة.

النفس المبدعة واحدة
أما د. فخري بوش فقد ركز في مشاركته على نشأة الأدب الفارسي وتطوره وأنواعه وأهم أعلامه منذ بدايته وحتى الثورة الدستورية، كون الاطلاع على الأدب الفارسي قبل الإسلام مهم جداً شأن كل الأدب القديم، لأن الماضي موصول بالحاضر والنفس الإنسانية التي يصدر عنها الإبداع بفطرتها واحدة كما يقول بوش ولابد من الحديث عن المراحل الثلاث التي مرت بها اللغة الفارسية، وهي مرحلة ما قبل الإسلام ثم المرحلة الفهلوية وصولاً إلى المرحلة الإسلامية. وأكد بوش أن الزمن لم يبق إلا على أقل القليل من الأدب الفارسي لأن الأمة الفارسية بعظمتها أنتجت أدباً عظيماً، لكن حين فُتحت بلاد فارس وكان الدافع رفع لواء الإسلام عمد الفاتحون إلى حرق وإتلاف كل ما صادفوه من كتب الفرس لكي لا تبقى باقية تحمل آثار الكفر وبالتالي ضاع الكثير من تراث فارس. وبعد الفتح اهتدى الفرس إلى دين الله عن رضا وطواعية، وبالحديث عن مرحلة الأدب الفهلوي أكد بوش أنه أدب  موفور المادة إذا ما قصدنا منه جانبه الأخلاقي الذي يتضمن تعاليم خاصة بتوجيه السلوك، وهو صورة لحضارة الساسانيين، وبالرغم من كل ما تعرضت له الفهلوية فقد دامت إلى القرن الثالث الهجري، ومن الكتب المترجمة عن الفهلوية كليلة ودمنة– الأدب الكبير
بعد تلك الفترة وفي القرن الرابع أراد السلطان محمد الغزنوي بعث القومية الفارسية فأمر الفردوسي بتأليف الشاهنامة وفيها سرد لتاريخ فارس منذ بدايته إلى الفتح الإسلامي لتأتي بعد هذه المرحلة اللغة الفارسية الحديثة التي تكتب بأحرف عربية وقد ظل الفرس يكتبون بها كل ما يتعلق بمذهبهم إلى القرن الخامس واعتبر بوش أن تاريخ الشعر الفارسي باللهجات الإيرانية يبدأ بكتاب الأوفستا وهو 21 مجلداً بقي منه قسم الأناشيد فقط، وأعطى أمثلة تؤكد أن المدارس الأدبية التي نادت بها أوربا نادى بها الشعراء الفرس قبل ذلك.
كما تحدث بوش عن أنواع الشعر الفارسي من ناحية الشكل ومن تلك الأنواع: المثنوي- القصيدة– القطعة– الغزل– الرباعي. أما من حيث المضمون فهناك شعر القصور– الملاحم– الغزل والغناء– القصصي– الحكم والمواعظ. وذكر بوش أسماء أهم الشعراء لكل نوع، ولفت إلى وجود أدب فارسي خارج إيران في الهند وباكستان وبعض دول الاتحاد السوفيتي الناطقة بالفارسية. وبعد هذه الجولة وصل بوش إلى مرحلة إعلان الدستور في إيران وشيوع الأفكار والعقائد الاجتماعية الحديثة وهنا باشرت جماعة من الشعراء انتقاد الأوضاع السياسية والاجتماعية في أشعارهم وكان لذلك دوره المؤثر في الإصلاحات التي تمت.
جلال نديم صالح