ثقافة

قراءة في ديوان / لِدَمٍ كهذا / للشاعرة فاديا غيبور

سلمية هل سمِعْتِ خيولهم/عادت إلى التّصْهال؟!/ إذن قومي ولاقيهم/ووفيهم حقوق الضّيف /ولا تسأليهم عن سرِّ غربتهم/هُمُ الخلقوا.. لردِّ الحيف/
بهذا الابداع الشعري، الصادق الواقع، والمتدفّق كبركان، والمنطلق كسهمٍ في قوس نشّاب من رُماةِ الثّغور الذين رهنوا، وتراهنوا على ما تعاقدوا عليه، أن الوطن فيضان دم!/ ماهمّ إن أعطيناها أمّتنا/ لا مِنّة، لا هم؟! /
شاعرتنا فاديا غيبور من الشاعرات اللواتي يرفضن الاندفاع وراء جلد الذات والشعور بأثرٍ رجعي من الظلم والجور والقمع الذي نزل بالمرأة! وهاهي تقول: / لدمٍ كهذا/ أخلع الأحزان/أزجي دمعتي للرياح/ أورق/أرتدي عشقي المؤرخ بالنبوءة والسؤال/ ص17 وعشقها للبلعاس وسلمية، حاضرٌ أبداً، حضورُ العاشق والعشيقة، أمضت طفولتها، وتكحّلت عيناها بأشجار البطم في البلعاس هذا كما تقول وقالت عنه: “البلعاس” محميّةٌ الشاعر خضر عكاري  ولُقّبَ عن جدارة بشاعر البلعاس! فاديا التي ترعرعت في قرية عقارب مابين البلعاس، وسلمية، هي تقول: /تناديك البوادي، خُضرة البلعاس/ قافلة المواويل التي أطلقتها/ يوم الرحيل وراء حلم موسمي/ أحجمت أمطاره/ ص 21
غيبور، شاعرة مخضرمة، تولاها الشعر هذا الهاجس المسكون فينا منذ تلاقي البياض والحبر، وقضما التفاحة، فكان آدم الشعر وحواء القصيدة! ابتلاها الشعر بكل ألوانه، كتبت قصيدة “القافية – الفراهيدية” وقصيدة التفعيلة، وكذا تمكّنت من الصهيل في براري “قصيدة النثر” فأبدعت شاعرتنا في الأشكال الثلاثة، وكانت الرابعة كتابة “الخاطرة” والمقالة، والزاوية” وعاركت كلّ الفصول، فكان حضورها الجريء، كجرأة أشعارها، في الأمسيات والمهرجانات الشعرية، ولستُ خائفاً أقول أنّها “الشاعرة المنبريّة بامتياز” فكان “البلعاس – سلمية – عقارب” مطارحُها وبراري احتواء أشعارها الدافئة!
تقول غيبور: / سلميةُ هل سَمعتِ خيولهم/ عادت إلى التِّصهالِ؟! / ص 27
أقسمت وتولاها الولاء لهذه الجغرافيا، ناساً وأرضاً ومعاشرةً، ولا يرتسم قوس قزحٍ إلا فوق سماء براريها؟! هاهُمُ “رُعيان العوجةِ، حَلّوا ضيوفاً، عادوا لرِدِّ الحيف مِن” جراد التاريخ” ومن قطاع الطّرق، ونهبة الأرزاق، وقاطعي” بالفؤوس والمناشير والـ “جُذور وأشجار البلعاس؟! هُمُ أعداء الحضارة وأنفسهم! وبعد ثلاثة أيام من الضيافة، اسأليهم يا “سلمية” ماذا يبتغون، ويريدون؟ و تقول الشاعرة:
/لأنَّ دمي يحتويك/ بنسبة عمري الحزين/أرتب أشواقه/نبضةً، بنبضةً/ وأستل منه الرُّؤى القاتمة/ ص45
إن من يتابع، ويقرأ نتاج الشاعرة غيبور يُدركُ أن المرأة/ الأنثى السوريّة قد أفلتت من تبعات، وإرهاصات، ومنغصات الماضي، ومن مصادر الاستسلام والبلاهة، فكان هذا التّخطي، واجتياز الحواجز المفخّخة سلفاً، لكنها ليست هذه بمثابة ردات فعل، بل هذه هي “الحرّية” وتأكيد الذّات، ومستواها الإنساني الفاعل والذاهب إلى التعبير عن الهموم العامّة والخاصة، تقول: /يا بردى أغثني/فأنا أحبك قادماً /من عنفوان الأرض/من ذوب البراءة / واخضرار الحور/ ص 59
وللوطن “سورية” العشق الذي ابْتليتْ به، وترعرعت في حبه وها هو هتاف “تحيا سورية” يتجول مهموكاً في شرايين دمها، إنها الشاعرة التي قالت: /فجر على بردى/والشمسُ في بيروت/ الورد مزدحم/مُذْ برعم التّابوت/لن تدفنوا وطناً/في حبه نحيا/ في حبه نموت!/ ص67
مُخاطبة جريئة إلى هؤلاء “الشّراذم المُضلَّلة، الضّائعة” أفيقوا من رقدتكم، إنّ أمّةً سمّوها “سورية” لن، ولم، ولا، إنها شآم المجد لن يغبِ؟! “وكيف لا وهي الشاعرة العاشقة، واللّاهية بقلب عشيقها، إنها امرأةٌ من نورٍ ونار وكانت ثروتها في الدنيا” أبناءها والوطن الذي تعيش فيه”.
صرتُ وكلما قرأت نصّاً، استوقفني فيه الحرصُ على التّجاوز والرّغبة في ما يحدث وراء الأكمة، من حالات إبداعية، وجمالية للقصائد من حيث اللّغة والموقف وإلى ارتقاء في اللّامألوف، وأبعاد المتداول في مرايا شعرها الذي لا يرى إلّاه! وجهاً ينمُّ عن رؤيا حضاريّة، وإيقاظ لبعض النّمش المتناثر على وجه القصيدة، وتخفيف لغة السَّردية، والشكل النّمطي الموروث، وهاهي تقول: /لك أنتَ/ أُزهر في صباحات القرى/ويطير قلبي/ بين أسراب الحمام/لك أنت/أونِعُ بالثمار المستحيلة/والقبل/ ص 80
وهاهي “الغيبورية” تدلي باعترافاتها شاكيةً، باكيةً، علّهُ الزمان يصحو من سكرته/رقْدته، شالفاً لغة التّأفف والانكسار، وتكحّل الأهداب، وتفرك الخدين بأصابع العِنّاب! وتفتح مصاريع صدرها “المكوبس” لِفصولها الأربعة، بعيداً عن “نواح وتر الرّباب” والمواويل الباكية /خَلّكْ مْعَانا يا خشفْ/يا دمع عيني، ما نشفْ؟!/.. هاهي تقول في قصيدة بعنوان “آه لو تأتي”/آه لو تأتي كما كنت تجيء/مطراً يبحث عن وردٍ كئيب/ قمراً يسكن في عيني حبيب/ ص 95
شاعرتنا مُعبّأةٌ بالحزن، مُحاصرةُ بالعادات، مُقيدة بفتاوى “الشّعوذة” لكنها مهرة أصيلة، صهيلها الأرض والإنسان والحرّية تقول:
/لم يأت صوتك/ والدقائق تنطوي/وأغرقُ بين أحزاني/وأرصفة الدموع/ ص 97
الشّاعرة “فاديا غيبور” من الشاعرات السّوريات، اللواتي نلن بعض حقهن من الإعلام والنّقاد، لكنها ما غيّرت “هويّة انتمائها” ولا جنحت بإبداعها الشعري، لِعاصفةٍ عابرة! بقيت صامدة متأصّلة كجذور أشجار البطم، ونخوة “رعيان العُوجة” وشاعرةٌ ما أنصفتها أنا حتى بكتابتي عنها، وعن نِتاجِها، فربَّ شمعةٍ تنيرُ، خيرٌ من ظلامٍ مطْبق؟!
“لِدم كهذا” شعر فاديا غيبور- دار أرواد 1998
خضر عكاري                                                        khudaralakari@hotmail.com