ثقافة

إن لم تستح فافعل ما شئت

جلال نديم صالح

ترددت بداية في كتابة قصة هذا الشخص، ولكن ما شجعني لاحقاً هو أنني وجدت أن الكثير من التفاصيل تنطبق على نماذج كثيرة لأشخاص يعيشون بيننا، وهم كثر للأسف، نماذج أزالت ظروف الحرب على وطننا الغبار عنهم فظهر معدنهم الحقيقي المزيف، و”أبو جملو” باختصار هو أحد الذين تمنوا أن يكون ابنه البكر صبياً، لكن الله حقق تلك الأمنية بعد خمس بنات، وقد عرفه الناس بهذا اللقب تيمناً باسم الدلع لابنته الكبرى جميلة، وصديقنا صاحب القصة كان يرفض رفضاً قاطعاً تعليم البنات، فلم تتجاوز أي من بناته الصف السادس، ورفضه تعليم البنات لم يكن تعصباً “معاذ الله”، لكنه كان دائماً يقول: ما المعنى من صرف النقود على الفتاة وتدريسها في الجامعة، وفي النهاية سيأتي العريس ليأخذها هي وراتبها على “البارد المستريح”، وبالعودة إلى الصبي الذي أتى بعد انتظار فقد أصبح اليد اليمنى لأبيه، والمشرف على أعمال المحل بعد أن تعلّم من والده أصول ودهاليز التجارة، وعرف من أين تؤكل الكتف، وكيف يمكن أن يحقق من الأرباح أضعاف ما تستحقه القيمة الحقيقية للبضاعة، وقد زادت تلك الأرباح بالتأكيد بارتفاع الدولار ولم تنخفض بانخفاضه، وبما أننا في شهر رمضان المبارك لابد أن نتحدث عن “أبي جملو” الذي يصبح في شهر رمضان إنساناً آخر، فهو يطلق لحيته ويظهر الورع والإيمان والتقوى على وجهه، صحيح أنه طرد زوجته من المنزل منذ شهرين وتزوج بأخرى بعمر ابنته، إلا أن قلبه لله كما يقال، وهو يعمل على مبدأ من يسرق أربع تفاحات ويتبرع بواحدة للمحتاجين، ولابد هنا أن نؤكد بأنه لا يتصدق من التفاحات الحرام أعوذ بالله لأن صدقاته كلها “مال حلال”، بل من الدكان الذي استولى عليه بعد وفاة والده وشقيقه الأكبر الذي حرم أولاده الأيتام وأخواته البنات من حقهم في الدكان، وبما أننا نتحدث عن الأب رحمه الله، لابد هنا أن نذكر سبيل الماء الذي أقامه الأخ الأكبر قبل وفاته عن روحه، هذا السبيل يقفله “أبو جملو” طوال شهر رمضان من كل عام من مبدأ احترام شعور الصائمين الذين يمرون بالمكان كما يقول، وما من مشكلة إن مر أحدهم ممن أحل لهم الله الإفطار من مريض أو عجوز أو طفل، فهؤلاء أمرهم لله وما من داع ليشربوا.
المفارقة أن “أبا جملو” الذي يقفل سبيل الماء في وجه من أحل الله لهم الإفطار نسي على ما يبدو أن يقفل المقهى المجاور الذي يملكه، وربما لم يفعل ذلك حرصاً على شعور بعض الناس الذين  يستطيعون أن يصبروا دون طعام أو ماء، لكنهم لا يستطيعون ترك التدخين والنرجيلة، طبعاً وفنجان القهوة أو كأس الشاي، وصديقنا أحدهم.
في البداية كنت عاتباً على تصرفه، لكنني بعد أن عرفت القصة الحقيقية التمست له العذر، خصوصاً أن ظروف الحياة صعبة، ولابد لهذا “المسكين” من أن يعوّض عن النقود الكثيرة التي كانت تأتيه سابقاً من الملهى الليلي الذي يملكه، والذي خسر زبائنه بعد أن أغلقه بسبب ظروف الأزمة، ربما سيجد الكثيرون أن الحكاية تشبه حكاية أحدهم، لكن ذلك بالتأكيد ليس سوى مجرد مصادفة، لكنها مقصودة.