ثقافة

ما بين التفكر والمعاناة “يبحث الإنسان عن المعنى” كي يتسامى

“لماذا لا تنتحر”؟!, عندما تصير الحياة أمراً سوداوياً في عيونك, تثقلك بأوجاعها وهمومها, تسقط عنك إنسانيتك. حينما تقر ملء قناعتك بأنك لست إلا نتيجة لمشروع تلقيح فاشل بين شخصين.

بما أنك تشعر بالإلغاء ولا تستطيع التغيير- أي عدم الرضوخ لكل ما يقصيك عنك, لتنهض من جديد- لماذا لا تضع حداً لكل هذا؟!.
لعل البعض يتلمس في مفاصل الكلام استفزازاً مفتعلاً؟, نعم.. ليكن كما اعتقدتكم, ألا يجدر بكم الانتحار, الذي هو الطريق الأسرع للراحة الأبدية التي تتجهون نحوها ببطء مع الكثير من الآلام؟.
النمساوي: فيكتور فرانكل, Victor Frankl, في كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى” Man’s Search for meaning”” الذي اختير حسب استطلاع أجرته مكتبة الكونغرس. بأنه الأفضل, من بين الكتب العالمية العشرة..حيث يذهب مؤلفه فرانكل, صاحب “مدرسة فيينا الثالثة للعلاج النفسي”- بعد مواطنه “فرويد Freud” صاحب مدرسة التحليل النفسي, و”أدلر” صاحب مدرسة علم النفس الفردي- نحو أقصية لم تطأها مباضع المحللين النفسيين من قبل, حينما اشترع طريقة مبتكرة للعلاج بــ “المعنى” والمعنى هنا الولوج إلى أغوار الذات البشرية لاستنهاضها داخلياً, أي بخلق معنى لوجودها الكائني, انطلاقاً من فكرة أنه إذا وجد الإنسان في حياته معنى أو هدفاً, هذا يعني أن “وجوده له أهميته وله مغزاه, وأن حياته تستحق أن تعاش, بل إنها حياة يسعى صاحبها لاستمرارها والاستمتاع بمغزاها”.
وهنا يتدخل فرانكل, والذي بدأ بتطبيق نظريته التي ابتكرها- وهو سجين لدى السلطات النازية إبان الحرب العالمية- على السجناء العاديين الذين كانوا ينتظرون نهايتهم الحتمية, أي انتظار يوم الغد كي يساقوا إلى غرف الإعدام, وهذا الهاجس شكل لهم حالات من الهزال وتفشي الأمراض لكثرة التفكر بالساعة القادمة التي تحدد مصيرهم, من هذا الباب الموارب دخل فرانكل المعالج, عبر الإيغال إلى جوانية زملائه السجناء, بحثهم إلى الانتحار ما دامت النتيجة هي الموت بالنهاية, وهذا ما جعل ردة فعل الكثيرين عدائية تجاهه, كيف تحفزنا للموت؟.
وهنا أدرك بأنه أصاب مقتلهم حينما استطاع استفزازهم, وعمل على بناء شيء داخلهم, يجعلهم يناهضون الموت لأجل هذا الهدف, وهذا الهدف هو المعنى, وهو التسامي لحياتهم, كأنما يصر أحدهم بأنه لن يعدم في الغد, لا لشيء بل لأنه يشعر بأن لديه آمالاً وأحلاماً لم يحققها بعد, أو لربما عليه مواجهة الموت لأن هناك من ينتظره خارج المعتقل, وهذا ما نسميه علاجياً, طريقة نسج خطوط واهية لحياة محطمة للقيام بها, تسليماً بصحة المقولة النيتشاوية: إن من يجد سبباً يحيا به, فإن في مقدوره غالباً أن يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل”. وهي قصة “صنع المعنى” لكل فرد أياً تكون الصعاب والضغوط التي يرزح تحت غلها, و”صنع المعنى” يعني البقاء, أي كيف يظهر المرء مقدرة على البقاء والصمود رغم كل الصعاب.
يقول جوردون أولبرت, أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد: استطاع الدكتور فرانكل كمعالج نفسي أن يوقظ في المريض الشعور بأنه مسؤول أمام الحياة مهما بدت ظروفه قاسية”، وتحقيق إرادة المعنى لأنها هي إرادة الحياة، وهي الحامل الرئيس لنظريته, وإحدى جوانبها الأساسية, السعي لتحفيز الإنسان على أن يبحث ويركز على “معنىً” لأقل التفاصيل ليمكنه من المواصلة والاستمرارية في ظل الظروف المأساوية التي عاشها أبناء المعتقلات, والذين عاشوا لحظات مقيتة بانتظار نهايتهم الحتمية.. لنخلص في النهاية إلى أن كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” كمرجع نستطيع من خلاله تجاوز بعض ما نحن به من أوجاع لا تطالها يد الطبيب العادي, وذلك عبر مرورنا بالطرق المهمة التي تمكننا من كشف المعنى في الحياة, كحالة تسامي مع ذواتنا, وذلك وحسب فرانكل:
< الإتيان بفعل وعمل.
< أن نختبر قيمة من القيم.
< أن نعيش المعاناة.
والمعاناة هنا كما وصفها ديستويفسكي: يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو “ألا أكون جديراً بآلامي”.
وفيما أنهي افتراضاً بأن قيمة كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” الروحية تأتت من خلال مقولة لـ فرانكل ذاته, جعلتني أعيد النظر فيما أسهبت أعلاه, تقول: لقد دعوت الله من سجني الضيق، فأجابني في رحابة الكون”.

النمسا- طلال مرتضى