ثقافة

الثقافة والتغيير!

أحمد علي هلال

حينما تُستدعى الثقافة لأدوارها الحقيقية، تُستدعى معها رؤى واستراتيجيات لا تقوم على اختزال الثقافة في مفاهيم نظرية مجردة وأنساق فكرية عامة، بقدر ما تُشير إلى معطى حركي، فاعل على الأرض، لطالما كان المفهوم المنشود من الثقافة هو مفهوم العمل والأهداف، وما ينبغي النظر إليه هو تلك الوسائل التي تحرر مفهوم الثقافة مما التبس فيه من إشكاليات ليست منتهية، والمقصود من ذلك كله هو كيف نجعل لثقافتنا عقدها الاجتماعي الجديد الذي ينظر إلى العمل بوصفه مصداقاً لفكرتها، أو دليلاً عليها وعلى صحتها وحقيقتها الغائبة والمغيبة.
فالتغيير المنشود هو الذي يتصل بأفعال الثقافة وليس بأقوالها، وبمدى ما تنتجه –الثقافة- من وقائع جديدة، أو واقع جديد يطال بنى وذهنيات وصولاً إلى برامج غايتها تنمية الإنسان، لكنها في بعدها المقاوم هي ثقافة جديدة بل ومتجددة مع انفتاح دلالة المقاومة، مقاومة ما ينتقص من كرامة الإنسان، وما يحقق شرطه الإنساني وكيف إذا كان وطنه محتلاً، كيف لا يبرع بالأدوات المختلفة، وبالوسائل المختلفة لتكون ثقافة المقاومة هي بوابة ثقافة التغيير المنشود.
ففي الأصل والمعنى والماهية والدلالة، من الفعل إلى الكلام، ومن الواقع إلى المثال، حتى نناهض أشكال الاستلاب والاحتلال والإرهاب، المتصل بحقيقة الغزو بمختلف وجوهه، غزو العقل وغزو الأرض وإرهاب الأجساد والأرواح والأفكار، نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى تأصيل مفهومنا للثقافة، وتخليصه من زئبقية هنا، أو تعميم هناك، أو تسطيح بمعناه، ما يعني في المحصلة مسؤولية الخطاب الثقافي/ السياسي، لئن يصعّد حوافز التنوير ويذهب إلى تنمية ثقافية حقيقية، تنتصر للحق والخير والجمال، وللمثل العليا وتناهض الشر الطليق، ولن يتأتى ذلك في المدى العملي إلا من خلال تفكيك منظومات الجهل، واستدعاء خطاب المعرفة كخطاب يليق بالحياة وبالعقل المنفتح الواعي على استحقاقات وجودية وخطيرة بآن معاً، إذن نسائل إنسان هذه الثقافة في آليات التغيير الحقيقية وجدوى ذلك التغيير، من أنه استحقاق بشر ينتمون إلى الحياة فعلاً لا قولاً، وحراكاً تنموياً لا بهرجة خطابات انغلقت على أنفسها بفعل مثقفين عاجزين ويائسين مازالوا في وعيهم الشقي ينتجون صيغاً عدمية، وآخرون يكون دمهم شاهدهم لينهضوا بثقافة الحياة، فشهداء الجيش العربي السوري، وشهداء الإعلام أليسوا هم المثقفون الجدد ودمهم من يعيد رسم خارطة الوطن لتكتمل منظومة الشهادة، بمنظومة الثقافة فالشهادة هي الوجه الآخر للثقافة في اليوميات السورية المضرجة بالكثير من التغيير في أنساق الثقافة وخطاباتها، وإرهاصات مستقبلها المنشود.
الثقافة والتغيير يا لهذا المركب ليس لطبيعته النحوية فحسب، بل لطبيعة دلالية باتت اليوم أكثر من حافز ليكون التنوير كما دالاته بياناً عملياً يقصي عجز خطابات عابرة للخطابات، سعى لإنتاجها أولئك المتغربون عن ثقافتهم والماكثون في عواصم شديدة الضباب، أو أولئك المحبطون من بلغوا سن اليأس الإبداعي والثقافي فلا لغة تواسيهم سوى الصمت، حتى يكون التغيير علامة منشودة لا ترفاً لا تُحتمل خفته الآن وأكثر من أي وقت مضى في راهننا الإبداعي على سبيل الخصوص، ما يعني أن النهوض بالتغيير أو استئنافه رهن بأدوار مثقفين إنسانويين قادرين على حمل شعلة الأولمب إلى الأزمنة الجديدة التي تظل فيها سورية عنوان الإشعاع الثقافي والحضاري، وبمستوى ثقافة نقدية عارفة قوامها الكشف والمغايرة والتجاوز، نهوضاً في صناعة ثقيلة هي الثقافة بذاتها ومأسستها في الوعي أولاً، ومن ثم جعلها حقيقة على أرض لا تجهر إلا بالبطولات، ولن تغيب الشمس عنها، لأن الشمس قدت من تعب ودماء أولئك الرجال الذين ساهروا الوطن وجعلوه قيمة مكتفية لا تبددها «ثقافات» عاجزة ولا تجد من يُكاتبها.