مجلة البعث الأسبوعية

كيف شكلت الخانات إكسبو حلب قبل 6 قرون؟

البعث الأسبوعية-غالية خوجة

تميزت الشهباء بمعالم أثرية لا تنضب، ومنها الخانات الكثيرة التي كانت فنادق بمصطلحنا المعاصر، كما كانت سوقاً عالمية تجارية وإقتصادية وثقافية وعلمية وفنية، تشبه إكسبو بالمصطلح الحديث، فهي مجمعات اجتماعية وأسواق عالمية وفنادق يتبادل من خلالها الناس بمختلف جنسياتهم وألسنتهم وأعراقهم ودياناتهم الخبرات والبضائع والسلع والتجارب والصفقات والعلاقات والعادات والتقاليد الإنسانية، مما جعلها ملتقى عالمياً للشعوب يضج بالحركة والمنافسة والحياة المتنوعة المزدهرة.

وكيفما تلفتنا في هذه المدينة العريقة نتبين أن لكل حجرة حكايات، ولكل خان روايات، ولكل باب خان باب صغير يسمى “خوخة” يتسع لدخول وخروج شخص واحد، لأن الخانات تغلق أبوابها بعد المغيب، ويتولى فيها المشرف الذي يعينه صاحب الخان الحسابات وتحصيل رسوم البضائع وتنظيم أمور الخان، بينما هناك شخص آخر يعمل حمالاً يسمى “الأوضه باشي”، وغالباً ما يكون أرمنياً يؤدي واجبه بأمانة.

المعمار لوحات فنية

يتمتع بناء الخان عموماً بطبقة أرضية وعلوية وسطح مصقول، وفيه غرف مخصصة لكبار المسؤولين والتجار الذين لا يكونون فقط من الغرباء، بل من تجار حلب أيضاً، الذين يعرضون بضائعهم في الغرف التي يستأجرونها، ويغادرونها بعد العصر، كما اتخذ الأدباء والشعراء والبحاثة والعلماء وطلبة العلم من الخانات مقراً لهم في حلهم وترحالهم، فما من رحالة ومسافر في الأزمنة القديمة إلاّ ويعرفها كما تعرفها القوافل القديمة التي تقصدها من كافة بقاع الأرض، كونها متجذرة في حلب المدينة ذات الموقع الاستراتيجي تجارياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وكانت وما زالت عقدة وصل بين دول العالم، لذا، لا بد من نُزلٍ يستريح ويقيم فيه القادم إليها، ليمكث متأملاً الحياة المتجددة داخل الخانات وخارجها، مستزيداً من المعرفة والمعارف والتجارة والاستثمار والابتكار.

واشتهرت الخانات التي أسميها بإكسبو حلب بهندستها المعمارية المتخذة من الجص والحصى والصاروج مواداً لبنائها، فاتحة أبوابها للقادمين، بينما تطل من الكوى الشمس لتصافح وجوه الساكنين وتمنحهم ألوانها وحرارتها من خلال طقس حلب المعتدل الجميل على مر الفصول، بينما يتسع صحن الخان ليكون قاعة استقبال واستراحة تزيده بهاء الأشجار والورود ونافورة الماء وزقزقة العصافير التي تبدو خلفية موسيقية لأحاديث الناس، وتزداد الأناقة المعمارية مع البوابات المقنطرة المزينة بنقوش وزخارف ومنمنمات وتشكيلات نباتية وحيوانية وكائنات أخرى، إضافة إلى التشكيلات الخطية.

حلب التقاء الغرب بالشرق

ولا يمكن لزائر الخان إلاّ أن يحدق من نوافذ الغرف المطلة على التأريخ والحياة والدرج المتلولب، والصاعد، والأبواب القديمة وهي تخبئ بين تشكيلاتها ورتاجاتها وتيجانها وأقفالها وحديدها وخشبها ذكرياتِ الذين كانوا هنا، خصوصاً أولئك الذين بنوها في سالف الأزمان.  ولم ينس الأقدمون المتسمون بالرفق بالحيوان أن يخصصوا مكاناً لوسائل النقل الحية، لترتاح وتواصل عملها في حمل الإنسان والأثقال.

كان للخانات دور حيوي بين الشرق والغرب، وكان لها دور دبلوماسي يسكنها الوزراء والقناصلة، وبلغ عددها في حلب عدد أيام السنة 365 خاناً، ومن الذين تحدثوا عن خانات حلب “جاك سواري دي تروسلون” في قاموسه التجاري العام: “لا تضاهي حلب مدينة أخرى في تجارتها، وخاناتها لا تقل عن الأربعين خاناً، تغص دوماً بالهنود والفرس والأتراك والإفرنج وغيرهم”.

خان فينيسيا-البنادقة

ومن هذه الخانات خان “البنادقة” المتمركز في المدينة التأريخية القديمة، في منطقة الأسواق، وتحديداً قرب سوق الزرب-المجيدية، ليروي، وعلى مدى الأجيال، كيف كان الإيطاليون، وتحديداً أهل البندقية “فينيسا” يبيعون ويشترون ويتداولون بعملتهم في هذا الخان الذي كان يقطنه قنصل البندقية وتجارها، لكن كيف حدث ذلك؟ يخبرنا التأريخ الموثق أن هذا السماح ناله البنادقة نتيجة أول معاهدة إقتصادية بين حلب وملكها الظاهر غازي والبندقية ومبعوثها بيترو مارينياني عام 1207، ويعتبر البنادقة من أوائل المقيمين في حلب، وكان عددهم 15 عائلة عام 1695، ويتجاوز حجم تجارتهم مليون ونصف من الذهب ناتجة عن بضائعهم المستوردة والمصدرة، أي بما يعادل 7 سفن سنوياً.

خان القصابية

ويتخذ خان القصابية اسمه من حرفة صناعة القصب كخيوط نسيجية، إضافة إلى القصب وأدواته، ومنهم من يقول لأن جزء منه مخصص لبيع اللحوم، إلا أن الجميع يؤكد أن هذا الخان بناه الأمير أبرك الأشرفي نائب قلعة حلب في عهد سلطان المماليك قانصوه الغوري، وتخبرنا واجهته المزخرفة وبابه الحديدي المنقوش عن سيرته الكثير، منها تأريخ بنائه الذي كان عام 1510م.

الخان الكبير

ولا يقل خان الجمرك “الخان الكبير” أهمية عن الخانات الأخرى، بناه الوالي العثماني إبراهيم زاده محمد باشا عام 1574م، يتميز بزخرفته ونقوشه الفنية لا سيما نقوش المدخل الخارجي، بينما تتميز أعمدة نوافذه المطلة على الداخل بضفائر تشكيلية، ويضم شركات أجنبية هولندية وفرنسية وإنكليزية، ويتألف من 50 مخزناً سفلياً، و77مخزناً علوياً، و4 مخازن في قاعته إضافة إلى إسطبل، وقيسارية تضم 23 مخزناً، وهو مخصص لإقامة القنصل الإنكليزي، وفرع شركة الهند الشرقية، وكان من أكثر الخانات حركة تجارية وإيرادات.

 

هل تسمع حكايات الرائحة؟

وإذا ما عبرنا بين الأزقة والأحياء ولأسواق إلى خان آخر، لا بد أن نشمّ ونستنشق رائحة متفردة للحجارة البيضاء الشهبائية الملساء، وهي تعبّر عن ملامحها الجذابة، بكل تأكيد، للأمكنة العتيقة رائحة خاصة تروي الكثير لمن يريد أن يسمع تلك الرائحة ويكتشف المزيد من طبقات الحياة واللحظات التي تتحول إلى حقب وعصور ونباتات، لعنا نطون أحد مراحلها في زمن قادم بعيد.

 

أهالي حلب، حالياً، سعداء بإعادة الإعمار، وتراهم في هذه المدينة وأزقتها التي تبعث في نفوسهم المزيد من الفرح، فيمشون ويتنزهون وهم يمضون يومهم بسياحة أثرية داخلية، يحاولون أن ينفضوا أحزانهم وأحزان الحجارة المدمرة، متفائلين بالأمل وهو يعيد المكان إلى سيرته العريقة الأولى