ثقافةصحيفة البعث

مقاربات نقدية بين النظريّة والتطبيق في كتاب “وردة النص.. ظلّ المعنى”

رائد خليل 

يحدّد إيغور ريتشارد في كتابه “مبادئ النقد الأدبي” مؤهلات الناقد الأديب كما يراها، وهي: أنْ يكون خبيراً في إجراء التجارب، دون شذوذ عن حالة العقل ذي الصلة بالعمل الفني الذي يقوّمه، وأنْ يكون قادراً على تمييز التجارب بعضها من بعض، في ما يتعلق بمعالمها الأقل سطحية، وأنْ يكونَ حكماً حصيفاً في تقويم الحقائق.
يبحث الكاتب د. مجد رزق في هذه المقدمة عن حصاد يسير، يشير فيه إلى أزمة شعرية خانقة جعلت الأشواك في مدّ مهول، ولم ينفِ حضور الورود التي يسيبنا حسنها وتسترعي بصيرتنا فرادتها.
يسلّط الكاتب، في مبحثه الأول، الضوءَ على التشكيل اللغوي، في مجموعة “إعلانات الموت والحرية”، لبندر عبد الحميد، ويشير إلى أنّ مظاهر التشكيل اللغوي في المجموعة تتوزع على ثلاثة عناوين رئيسية هي: اللغة والدلالة، والإيقاع والوزن، والصورة الشعرية، ليذهب بنا إلى التوازن بين منطق العقل والعاطفة والخيال بعد رؤية نهض عليها وصاغها.. وهي رؤية قائمة على قدور متسقة ومتوازية، وهنا، يشير الكاتب إلى الشكل الفني الذي جاء على هيئة متكاملة في المجموعة، حفلت بقدر كبير من الجمال والرونق بسماتٍ مستمدةٍ من جدلية الحلم والواقع.
ويورد لنا الكاتب نصاً في سياق وجداني يشي بعمق الحالة المتنازعة بين وطأة الواقع المرّ والأمل الشاحب، على غرار ما وجده في قصيدة “غويا يرسم عند البحر”:
يا أهل البحر خذوني
يا أهل البحر قتيل
ردّوا فوق جفوني
شيئاً من أعشاب البحر.
وفي مبحثه الثاني.. ظواهر أسلوبية في مجموعة “للوردة.. لبقايا الحرب”، يبحر الكاتب رزق في تجربة أوس أسعد، ويؤكد الكاتب أنّ لغة الشاعر اشتغلت على استثمارٍ في الإشكال، سمة المعطى الوجودي الذي جعله يذيب الحدود ملبساً الضد حلية الضد.
ويشير الكاتب إلى أنّ لغة أسعد، تقوم على مرتكز فني يتمثل في خرق بنية المألوف كفصل الضمير المتصل.. ومن الإيقاع، كسر المسار التعاقبي للتفعيلة الواحدة، إضافة الى بعض السمات الأخرى التي وظفها الشاعر أسعد لترسيم المسار الدلالي للنص، والتي تتجلى بمراودة جوهر الكون والتماهي به، مع محاولات تقصّي المعنى المنفلت من عقال الحدود. .
سأخضّر يوماً فجذوة ظمأي
أحجية
الماء في
متاهة المصبّات
وجواد صحوي
صهيلُ كبوة هاربة.
ويشير الكاتب في مبحثه الثالث حول تحولات الذات (الرؤيا والتشكيل) قراءة في تأملات ملونة لرائد خليل، إلى اشتغال (خليل) على بلورة الأساس المعرفي وإنجازه على مفهوم الذات وعلى انفتاح طبيعتها وتحولها، ويسلّط الضوء على طبيعة اللغة بتحولها وديناميتها وانفتاحها وبقدرتها على المراوغة والتفلّت من مواضيعها، لتكتسي مواضع وظلالاً أخرى مستلهمة من مرجعية الوعي الفكري العميق لدى صاحبها.. وهذا مبعث فنيتها وإغوائها ومكمن جاذبيتها وإدهاشها.
وحدّد الكاتب ثلاث مستويات لتجلي الذات عند خليل، هي: النزوع الرومنسي للذات أو الذات العينية والذات في معترك الوجود أو الذات الفاعلة.
على محمل المدّ
أخذتُ شاطئها على عاتقي
وأعلنتُ بدءَ ساعة الرمل.
أما المبحث الرابع، فقد خصّصه الكاتب للحديث عن مستويات الشعرية في القصيدة العربية، وقد لخّص مبحثه هذا بما شكلته الشعرية من نقلة نوعية في مسار تاريخ النقد الأدبي، والشعرية، كما يعدّها الكاتب منهجية غير ثابتة، وغير ناجزة لانفتاحها على خصائص العمل الأدبي، المتجددة بتجدّد العمل ذاته. ويرى أنّ التصدي لشعرية النص يقتضي، بالضرورة، الكشف عن القيمة الجمالية فيه، وهو مالم تُعنَ به الدراسات اللسانية والبنيوية لأنها نظرت إلى النص بوصفه بنية مغلقة، ملغية دور القارئ مما استدعى إعادة تفعيل دور القارئ بوصفه طرفاً لا غنى عنه في الكشف عن شعرية النص وتجديد خصائصها.
ويرى أنه يوجد ثلاثة أنماط ناظمة لمستويات شعرية القصيدة العربية.. وهي شعرية الائتلاف والتشاكل، وشعرية المزاوجة والموالفة، وشعرية الاختلاف والمفارقة.
أما المبحث الخامس، فقد أفرد فيه الكاتب مساحة واسعة للحديث عن سيمياء الخطاب الشعري في قصيدة رؤيا لأدونيس، ومنها مستوى البنية السطحية ومستوى البنية العميقة وعن الخلفيات التي تقف وراء إبداع الشاعر وقدرته العالية على تطويع اللغة وتكييفها بما ينسجم والرؤيا المعمول على تصويرها وتظهيرها، على نحو ينمّ عن خبرة ومهارة في إقامة توازن دقيق بين الوعي الفكري أو المقولة الفكرية المعمول عليها.. والوعي الفني أو صورة اللغة المتحققة في هذا الشعر.
عابر أحمل خطواتي وبي
ظمأ الرمل وفي خطوي بحار
ياهوى ضيعني مرّ على
حيرتي، مرّ على شاطئها..
هي في صدري تراتيل دمٍ
وبخورٌ مذهب النار، ونار
ويأخذنا الكاتب في مبحثه السادس بين القناع والمعادل الموضوعي وقصيدة الغفران لتمام تلاوي، إلى الاعتراف بالتجارب الشعرية الحديثة التي تكشف عن مهارة في ابتداع أنماط وآليات متجدّدة وفهم عميق للتراث الشعري القديم..
لماذا مركبات العمر تأخذنا ولا نرجع؟
كأنّ خيولها السوداء في قلبي
تخبّ ، أرى حوافرها
أمزق أضلعي وكأنني أسمع
صهيل جيادها المجنون
يأكل فرحة الدرب
فيا حوذي.. ياحوذي، لا تسرع!

ويقرأ الكاتب رزق متاريس الرغوة لبشير عاني في المبحث السابع، ويوصّف مصطلح الفينومينولوجيا وحضور الجسد بوصفه وعياً أثبت وجوده عبر التجربة للأنا، أو بوصفه تلك القوة التي يدرك بها المعقولات على غرار التي يدرك بها المحسوسات.
فلينفخ هذا الصور طويلاً
ولتغتسل بالأبدان الأبدانْ
النار.. النار
وكذا جرش الدفء صقيع الحمقى..
وأذابت ثلج الحكمة
أبخرة العشاق.
ويأخذنا الكاتب في مبحثه الثامن إلى قراءة “مرثاة دانيال” لإبراهيم منصور والحديث عن تراجيديا الصراع الإيديولوجي بين المقدس والدنيوي، فيحدّد لنا مزاوجة “منصور”، ورؤيته ووعيه التاريخي، بين المقدس والدنيوي، وقدرة الشاعر على توظيف أدواته الثرة المتمثلة في إلغاء الفارق أو البعدين الزماني والمكاني، بين التاريخي/ المقدس والراهن/ الدنيوي، أو قل بين الرؤية والرؤيا.
قد أهلكني الجوع ولم يرسل لي إرمياءُ طعاماً، وعطشتُ
تشقق لحم الصدر ولم تنفجر في كفيّ عيون الماء
بكيت لكي يشرب من دمعي الطير المحبوس
وكي تنبت في اللحد وتطلع من تحت المهد سنابل..
أمي جُنّت بحثاً عن أشلاء أبينا في الفحم
ولي زوج جفّت في عينيها كلُّ حدائق بابل
لكأنّ الأقدار –خطايا الشعب-
على الأعناق سلاسل
ومراثينا محضُ نقاب!
أما في المبحث التاسع “الحسّ الملحمي في جدارية محمود درويش – هباءٌ كامل التكوين”، فيقدّم لنا الكاتب صورة واضحة عن الحالة الشعائرية التي تمثلها الحالة الملحمية عند درويش، واستثمار معطيات الوجود المادية واللامادية وصهرها في بوتقة الرؤيا، بوصفها ممكناً يجاوز المعطى الوضعي، في سبيل خلق وجود ممكن بقوانين جديدة. ويشير الكاتب إلى استثمار درويش معطيات الملحمة استثماراً رمزياً مكثفاً، سواء على مستوى القص والحكاية، أم على مستوى الحدث الأسطوري، على نحو ما كشفت عنه الدراسة المركزة للنص المتخيّر، بأسلوب قائم على الانزياح والجدل بين مختلف المعطيات الوجودية.
يكسوني الغياب مجرة الماء الصغيرة
نام أنكيدو ولم ينهض
جناحي نام ملتفاً بحفنة ريشه الطيني
آلهتي جماد الريح في أرض الخيال
ذراعي اليمنى عصاً خشبية
والقلب مهجور كبئر جفّ فيها الماء..
فاتسع الصدى الوحشي…
عش لجسمك لا لوهمك
وانتظر
ولداً سيحمل عنك روحك
فالخلود هو التناسل في الوجود.
يقع الكتاب في 368 صفحة من القطع الكبير، وصدر بموجب مذكرة التفاهم الثقافي بين اتحاد الكتّاب العرب في دمشق ودار سويد للطباعة والنشر.