ثقافة

في كتاب: التشخيصية في الفن التشكيلي السوري الإنسان مجسد أساس العمل الفني

الحركة التشكيلية السورية واحدة من الحركات التشكيلية العربية النشطة التي في استحضارها الفن بصورته العامة إنما تقدم الدلالات الحضارية المتنوعة كشاهد على الفعل الإبداعي الإنساني والكيفية التي يتم التعامل من خلالها مع موضوعات الفن واتجاهاته، وقد عكست في منجزها العام ما يتوافق والأفكار التي طرأت على الفنون على مر العصور الفنية والحضارية التي مرت على سورية منذ العصر القديم، فالمحترف السوري بقي لأسباب كثيرة على ارتباط بالإنسان في مختلف الأحقاب، معلياً بذلك قيم الشكل الإنساني ومسقطاً معرفته الفنية والتقنية ونظريته الفلسفية على هذا الشكل ،ومن هنا تأتي أهمية كتاب الفن التشكيلي السوري “التشخيصية” ليارا معلا الصادر حديثاً عن الهيئة العامة السورية  للكتاب والتي أكدت في مقدمته أن بحثها في التشخيصية وما تعكسه من مفاهيم وما تثيره من تساؤلات وما تتمظهر به من موضوعات وموتيفات هو محطّ اهتمامها الذي حاولت عبره تحقيق الصلة بين ماضي التشخيصية وحاضرها وكيف استطاع الفنان السوري أن يطبع التشخيص بطابع فترته في مختلف مراحل تطوره والأسس التي بنى عبرها الفنان المعاصر رؤيته لهذه التشخيصية، مشيرة إلى أن التشخيصية كمفهوم عام هو ما يهمها في هذا الكتاب، أي الإنسان كمجسّد ومشخّص أساس العمل الفني وكيفية تطوير التعبير والدلالة من خلاله بربط هذه المراحل ببعضها البعض، وكذلك التقاسيم والملامح والهيئات والتعبيرات والإيحاءات التي انعكست في التشخيص الذي لم ينقطع يوماً عن التجلي في المنجزات برغم الإشارات النقدية والإعلامية إلى قطيعة عامة حدثت في المنطقة ما بين مراحل التشكيل التشخيصي والتي ترجع باعتقاد عيد إلى التصورات الغربية للفنون في بلادنا، وهذا يشير بدقة إلى الإرشادات المستمرة لاعتماد الفنون الغربية كمرجعية وحيدة للفنون التشكيلية العربية في القرن العشرين، مبينة أنه إذا كان ما يُكتَب ويقال بشكل أو بآخر يجانب الصواب في بعض أطروحاته فإن التشكيل العربي مازال بحاجة إلى إعادة ربطه بتاريخه الحقيقي بدلاً من الاتكاء على بعض الكتابات وعلى الآراء الجاهزة في هذا المجال، موضحة أنها  حاولت أن تدرس موضوع التشخيصية فيما بين الماضي والحاضر، الماضي باعتباره اتجاهاً زمنياً تاريخياً والمفاهيم التي تكونت في الفترات الحضارية المختلفة ومن ثم الإشارة إلى الصلة بين الماضي التشخيصي وحاضره منذ ظهوره في صورة عشتار بمختلف تشكيلاتها التي أنجزها الفنان السوري القديم سعياً إلى المغزى والمفهوم الكامن في تشخيصها على الهيئة التي وصلت إلينا، وحتى الفنون المتنوعة التي نراها اليوم في صالات العرض والمواقع المختلفة وكل ما عكس قلق الإنسان وحلمه وسعيه إلى الجمال والحقّ والعدل. أما الحاضر فيتمثل في دراسة التشخيص المعاصر في سورية عبر قراءة الاتجاهات والموضوعات والدلالات التشخيصية في بدايات القرن العشرين، ومن ثم مذاهب التشخيص لدى الكثير من الفنانين، فالتجريب التشخيصي والعودة إلى التشخيصية المحدثة وأهمية قدرتها على التعبير من خلال الإنسان وفق الظروف الجديدة.
هذا ويحتوي الباب الأول المسمى “المفهوم” الحديث عن ماهية التشخيصية (شمولية المعنى وخصوصية المنجز) ويتطرق للتعريف اللغوي بالمفهوم والمقصود بالتشخيصية وأهمية العلائق الجسدية في تشكيل الموضوعات.
أما الفصل الثاني فيتضمن لمحة تاريخية عن مصادر التشخيصية في التشكيل السوري ابتداء من العصر الحجري الحديث في الألف الثامن ق.م، فالإسلامي بمراحله الأموية، العباسية والعثمانية، متناولة في الفصل الثالث العلاقة بين التشخيص والاستشراق ودور الأخير في التأثير على صياغة الخطاب التشكيلي السوري وعلى ذوق المتلقي كخطاب بصري مختلف منذ القرن التاسع عشر.. ليكون “الإشكال” هو عنوان الباب الثاني الذي يتضمن في الفصل الأول التشخيص الأيقوني عبر دراسة الأيقونة السورية وعلاقة ذلك باللوحة التدمرية، أما الفصل الثاني فيبحث الصلة بين التشخيص والفنون الإسلامية وعلاقة الفن المسيحي السوري بالفن الإسلامي، بينما يتضمن الفصل الثالث إشكاليات التحريم والموقف من الفن بشكل عام والتشخيص بشكل خاص من خلال الديانات المختلفة.
في حين سعت معلا  في الباب الثالث “الموضوع” وفي فصله الأول إلى رصد موضوع المرأة في التشخيص السوري من مختلف الاتجاهات والجهود المبذولة في هذا الشأن لإبراز دور المرأة في الحقب التاريخية والمعاصرة، ليطرح الفصل الثاني موضوعاته التشخيصية في النحت السوري حاضراً وماضياً والسبل المختلفة التي تعامل من خلالها النحات مع الجسد البشري، وكذا المعالجات الرمزية والاتجاهات الأخرى، فيما احتوى الفصل الثالث الحديث عن التشخيصية الشعبية، مبرزة أهمية الفن العفوي عبر اللمحة التاريخية التي سأجعلها نقطة عبور إلى الموضوعات والشخصيات الشعبية، وفي الفصل الرابع يتمّ البحث في موضوعة التشخيص والحرية والنزعة القومية والحروب والكوارث والنزاعات الأهلية وأهم الفنانين المشتغلين في هذا المضمار، ويهتم الفصل الخامس  بالتشخيصية والبيئة من حيث وضع الإنسان في فضائه وأهمية البيئة في إبراز الشخصية وصلة الجسد بالفراغ وظهور البيئة السورية في اللوحة التشخيصية. أما الباب الرابع “المذاهب” وهو الأخير فيشمل في فصله الأول التشخيصية التعبيرية وفي الثاني التشخيصية التكعيبية والثالث التشخيصية الانطباعية والرابع التشخيصية الواقعية ومن ثم في الخامس التشخيصية المحدثة وقد تم الحديث في هذه الفصول عن هذه الاتجاهات من خلال أهم الفنانين الذين مثلوها.
أمينة عباس