ثقافة

لينا هويان الحسن لزاهي وهبي: دمشق مدينة امتلكت مفاتيح سعادة البشر.. ونحن مجتمع يقيني

خلال حوارها مع زاهي وهبي في بيت القصيد لم يفاجئها سؤال طرحه ضيف عليها: متى تكفين يا لينا، عن النظر إلى الماضي وتمعني النظر فيما يشهده عالمنا المعاصر خاصة وطنك الحببيب من تمزق، متى تكفين عن كتابة الماضي وتكتبين الراهن؟ سؤال نكأ جرحها وربما جرح الآخرين: “عندما تقول لي الراهن إذن نحن نتحدث عن جرح عميق الغور، عن أكثر بقعة منحوسة في العالم بالحروب والتدمير والقتل” هنا تعترف الروائية لينا هويان الحسن أنها تخشى أن تفتقد الموضوعية إن حاولت التصدي لما يحدث الآن، مستذكرة سيرة أخيها التي تمثل سيرة كل سوري تعرض للقتل خلال هذه الأزمة: “قتلوا بالمجان لأسباب واهية، مجرمين من كل بقاع الأرض جاؤوا ليقتلوا الإنسان السوري” وتكمل:”حين أستطيع أن أكتب دون أن اذرف دمعتي ربما اكتب” رافضة أن تقدم نصاً متحاملاً أو عاطفياً أو يحمل شيئاً من التجني، تستذكر رحلتها القاسية التي استمرت خمسين يوماً بحثاً عن طريقة للوصول إلى جثمان أخيها الذي اختطف وقتل وكيف فاوضهم القتلة على الجثمان:”ليس هناك أصعب من دفن الفقيد، أمهات سورية كلهن ثكلن”.

تاريخ حسرات
تعترف “الحسن” أن للأدب ربة تحكمه هي ربة الدهشة والمفاجأة، ولذا هي لا تستبعد أن تتحرر من هواجسها يوماً ما، وتجعل من تلك الحكاية المؤلمة موضوعاً لرواية تحكي حكاية آلاف البيوت السورية، تكون فيها حقيقية وصادقة من خلال نص يحترم الجميع.
ولأن الذاكرة دوماً سيدة الموقف تقول:”مستقبل دمشق مسجل بماضيها وتاريخها، بمعنى أننا كلنا أبناء الطبيعة والمدينة تشبهنا نحن البشر”.وما يجري من نسف للذاكرة التي تصر صاحبة “بنات نعش” على التمسك بها ورؤيتها للتدمير الذي يطال التراث والموروث، يثقل من حجم الحزن ويزيد التحسر والآهات “ونحن تاريخنا تاريخ حسرات” تقول وتتابع “سورية تدمّر بدم بارد والعالم يتفرج ويشجع ويرسل المزيد من السلاح”.

هي ابنة الأندرين في بادية حماة، التي خلدها عمرو بن كلثوم في معلقته فقال:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا       ولا تبقي خمور الأندرينا
الأندرين التي تجزم لينا هويان الحسن أن بقاع قليلة على وجه هذا الكوكب حظيت بما تحظى به من تاريخ ثري وعجيب منذ البدايات، ما قبل التاريخ إلى الفينيقيين فالكنعانيين وصولاً إلى الإغريق مروراً بالبيزنطيين والرومان ، تراكم حضاري هائل عاشت في رحابه فقذف بها إلى عالم الكتابة الروائية وطرقات الأدب الوعرة، تقول لمحاورها: “كنت في قرية فيها كل ما يلزم للطفل كي يكون كاتباً، قبتان من الطين هما مدرستي، وعند انتهاء النهار يقولون لي أنها كانت مسكونة بالجن” وفي عامها الدراسي الثالث للفلسفة كان عليها أن تكتشف وتدرك أن هذا العالم الساحر الذي رافق طفولتها يمكن له أن يشكل مادتها الروائية.
صاحبة “سلطانات الرمل” روايتها الأثيرة على قلبها، تقر أن العيش في البادية علمها شيء من الحرية” وحده البدوي يعرفها؛ حرية الاتجاهات، حرية المعتقد، نمط من الحرية لا تمتلكه المدينة، تقول:”في المدينة المعتقد صارم، حصص دراسية متعلقة بالتربية الدينية، القومية، الوطنية، في البادية أخذت هامش من الحرية، انفلت من الصفوف” لاحقاً ستكتشف لينا التي نهلت من هذه الحرية بكل قواها، أنها ستحتاج لما يبرر كل شيء ويبدو أن دراستها الجامعية منحتها ما احتاجت: “الفلسفة تمنحنا الحجة كي نبرر أنفسنا وآراءنا التي قد لا يتقبلها الجميع.

الصدفة والريادة
وبالرغم من إصرار الجميع على منحها شرف ريادة الأنثى لعالم الصحراء والبداوة تصر على أن المصادفة وحدها هي ما جعلها الأولى: “أكتب نصّي وأنا مدفوعة بشغف وحنين، ونوستالجيا، والفلسفة هذبت هذه النوستالجيا” وأي شغف؟ يسألها مضيفها، تجيب: “شغف لعالم بسيط غير معقد، حقيقي غير مزيف” وبالرغم من الاحترام الذي تكنّه للمدينة وعالمها والتطور الذي تمتلكه لكنها ترى أن هنالك شيئاً ما نسيه الإنسان هو العفوية والبساطة والصدق، استطاعت أن تحتفظ به يساعدها على تحمل الحياة.
الصحراء بالنسبة لها امرأة ذكية محتالة متحدية:”أي أرض تلك التي تجرؤ على مواجهة سياط الشمس بهذه الطريقة، في الصحراء يمكن أن تمطر على قفر يباب لتنهض صباحاً وترى أن الآفاق مملوءة بالأزهار، زهر الصحراء ينتظر قطرة ماء ويزهر، لو أننا جميعاً نتعلم هذا النمط من الاقتصاد في الحياة كانت آمالنا شيء مختلف حتى أنه قلّت خيباتنا”.
“لينا” التي كتبت الرواية استسلمت لغواية الشعر وانقادت وراء أفكار ربما لم يؤاتها النص الروائي فقدمت نصها الشعري “نمور صريحة” مجدت من خلاله كائنات صبورة تمتلك من وجهة نظرها نوعاً من الأرستقراطية في طريقة تعاملها مع الفريسة”، بينما قرأ فيه النقاد نوعاً من شاعرية جديدة هي شاعرية الافتراس.

حارسة الصحراء
ابنة الصحراء وحارسة تراثها وفية لعاداتها تتفهمها وتجل قوانينها التي تعتبرها السبب في استمرارية القبيلة وترى فيها احتراماً وإنصافاً للمرأة:”حاولت في رواياتي أن أقول الحقيقة التي ترفض الدراما أن تراها، وترفض المدن أن تراها” وتكمل: “أحببت أن أقول أن كل شيء يتغير وجهات النظر تتغير حتى النظريات يمكن لها أن تتغير فلماذا لا نغير أفكارنا” في إشارة واتهام إلى أن ثقافتنا العربية أضحت ثقافة اعتياد وتسلية وقناعات لا تقبل أن تهتز، وتوضح: “المجتمع العربي يخاف السؤال، يخاف الشك، نحن مجتمع يقيني”.

نازك خانم
تشحذ “الحسن” أدواتها والمشاعر، لتكتب عن عالم النساء بكل أطيافهن عن تاريخهن الذي طالما تناولته الرواية من وجهة نظر ذكورية، تكتب عن نساء لديهن الرغبة في الانفلات والخروج إلى الزمن الجديد، خارج أزقة المدن وحاراتها الضيقة التي ترفض إلى الآن فتح بواباتها العتيقة، عن نازك خانم وسواها من نساء ترفل بالأزياء الجميلة تستحم بالعطور، تتغاوى بالمجوهرات عالم حسّي بالكامل عالم هواجس نسائه تختلف عن هواجس امرأة المجتمع البدوي، ونازك ابنة مدينة دمشق، “ودمشق مدينة امتلكت مفاتيح سعادة البشر”.
< نازك هل هي امرأة حقيقية؟ تجيب أنها مزيج بين الحقيقة والخيال، هي مزيج بين العالمين رواية أرادت منها أن تحتفي بالنساء اللواتي لا ينشغلن بغيرهن “في نصوصي المرأة تحقق أحلامها مهما كان المجتمع صعباً ولو بوسائل يرفضها هذا المجتمع أحياناً، لكنها برأيي تندرج ضمن الحرية الشخصية”، وتكمل: “كل ما يتعلق بالحرية الشخصية أنا متواطئة معه” بالرغم من ذلك ستنتهي سيدة الرواية قتيلة لتكون “أيقونة الحرية المقتولة أو المخطوفة” يسألها زاهي:
< هل هذا يعني أنه قدر المرأة الحرة؟
<< ليست المرأة فقط، الحرية بحد ذاتها ستقتل، سيكون هناك دائماً من ينهي وجودها.
سبع روايات حتى الآن نبشت خلالها ذاكرة الماضي، ذاكرة المدينة والبادية على السواء، ونشرت أسراره  في سطور حكاياتها لتقرأ علينا طالع المستقبل، روايات تناولها النقاد بقراءات متعددة متناقضة بين “سيطرة أحكمتها على نسائها” لامها البعض عليها و”حرية متناهية منحتها لبطلاتها” رفضها البعض الآخر، إلى الحشد الكبير من الأحداث والشخصيات في زمن الرواية القصير، انتقادات ترد جزءاً منها إلى استسهال البعض كتابة رواية الـ 100 صفحة بشخصيات قليلة تدخل ضمن تصنيف النصوص التجريبية، موضحة أنه لا بد من التفريق بين النقد والشتم.

عن صورة المرأة
وعن الصورة المختلفة في أعمالها حول دمشق، وتلك التي قد طبعتها الدراما وأعمال البيئة الدمشقية في الأذهان يسألها محاورها فتقول: “لا أريد أن أقول أن روايتي هي الأصدق، لكني ضد فكرة المرأة الشامية من خلال”ابن عمي وتقبش قلبي” في العام 1930 كان لدينا طبيبات ونساء سفور وتظاهرات وخطابات نسائية، لا أعلم لم يصر هذا المسلسل أو أني أعرف، وتضيف “الكثير من الفضائيات يهمها أن ترسخ صورة المرأة تحت جناح الرجل” والأمر ذاته يجري بشأن البيئة البدوية التي تلوم بشأنها كتّاب الدراما العربية بالعموم على تلك الصورة المشوهة التي طبعت في أذهان الناس فهو “مجتمع كسواه له سلبياته وإيجابياته أيضاً”.
“الحسن” التي كان لها ولازال صلة بالعمل الصحفي، تعترف أنه يستنزف الكتابة الروائية، لكنها تقر بفضله في لياقة القلم التي ترتبط بكتابة النص الصحفي وعالم الصحافة التي تبقيها على اتصال بالناس وبالخبر.
< “لينا هويان الحسن” ليست خط أفق مضيء في سماء البادية التي قدمت لها ولاءها على الدوام، وتعلقت بها مستوحية منها اللغة والرؤى لإبداع أذهل الكثيرين، لكنها أيضاً وردة دمشقية تشبه مدينتها التي فتحت بواباتها السبع على جميع الجهات. وبين هذه وتلك تقف هي بكل جرأتها وحريتها وقلم يصر على الحفر عميقاً بحثاً عن الجمال المخفي في الذواكر المنسية.
بشرى الحكيم