ثقافة

موفق مخول.. من الجداريات إلى صالة العرض

بعد غياب دام سنوات عن إقامة المعارض الفردية، وبمبادرة من الفنان بديع جحجاح صاحب صالة “ألف نون” عاد الفنان موفق مخول -بعد انشغاله بمشاريع فنية عامة- للوحته الشخصية عبر معرض افتُتِح منذ أيام ضمَّ مجموعة من اللوحات التي اختصر فيها حالات إنسانية عاشها وعشناها خلال الحرب على سورية.

التوجه للناس

ويبيّن مخول أن آخر معرض فرديّ أقامه كان عام 2007 ورغبة من الفنان جحجاح في تكريمه أصر على تشجيعه لإقامة هذا المعرض الذي يضم مجموعة من اللوحات التي أنجزها خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أنه لم يبتعد خلال السنوات السابقة عن الفن واستطاع مع فريقه “إيقاع الحياة” إنجاز لوحات جدارية انتشرت في مناطق مختلفة في دمشق، ودخلت إحداها موسوعة غينيس، لذلك يؤكد أنه لم يعتكف ولم ينزوِ بعيداً خلال سنوات الحرب، وهو وإن غاب عن إقامة المعارض الفردية فانطلاقاً من إيمانه بضرورة التوجه لكل الناس في سورية عبر اللوحات الجدارية، ولإيمانه بأن هذه اللوحات أهم من إنجاز لوحات شخصية لن يكون مكانها إلا في بعض البيوت، وذلك كله لإدخال الفرح ولإعادة الأمل للناس من خلال العمل الفني، ولإعادة الصورة الجميلة لدمشق بعيداً عن الخراب والدمار، أما اليوم وبعد تحسّن الوضعين السياسي والأمني في سورية كانت الرغبة من قبل جحجاح ومخول للالتفات للوحته الشخصية حتى لا تنساها الناس، مؤكداً مخول أن المعرض الفردي بالنسبة إليه له خصوصية لأنه يتيح للفنان أن يعبِّر عن شخصيته، وهو ضروري ليكتشف نفسه أين وصل وكيف تطور وكيف تأثرت لوحته بالأزمة، لتكون لوحاته نتاج سنوات خمس كان خلالها يرسم في مرسمه، منوهاً مخول إلى أن جحجاح أراد أن يكون المعرض رسالة  لنشر الفرح وجمع الناس أكثر منه وسيلة للترويج عن لوحاته.

الهروب من الرتابة

يوضح مخول أن لوحاته حصيلة تراكمات وحالات إنسانية متعددة مرَّ بها، وقد عبَّر عنها بشكل وجداني لا عقلي، منوهاً إلى أن الفرح احتل جزءاً كبيراً منها بألوانها الصارخة، عكس أسلوبه المعتاد، وهرباً من الكآبة والحزن والرتابة، ورغبة منه في تطوير أسلوبه لأن الفن –برأيه- بحاجة للتجديد والتطوير، مع اعترافه بأن التغيير ليس بالضرورة أن يكون للأفضل والأجمل إلا أنه مقتنع أن التغيير بالنسبة للفنان وسيلة لإعادة النشاط وتأهيل لنفسه ولأسلوبه وهرباً من الملل والرتابة، وهو لا يريد أن يصل لهذه المرحلة التي تقطَّع الحوار فيها بينه وبين اللوحة، مؤكداً أن زيارته الأخيرة للصين جعلته يخوض مغامرة جديدة، فهذه الزيارة غيَّرت كثيراً فيه كفنان، فالصين بلد جميل غني بالحب والألوان والفرح، مشيراً إلى أن الأيام العشرين التي قضاها هناك تركت آثارها الجميلة على لوحته، موضحاً أن الزيارة جاءت بدعوة من وزارة الثقافة الصينية للمشاركة في ملتقى فني عربي للاستفادة من الحالات الإنسانية التي تعيشها الشعوب العربية، خاصة وأن روحانيات كثيرة مشتركة بيننا وبين الصين على صعيد العادات والتقاليد وهي التي لم تنزلق باتجاه الحرية التي لا حدود لها والتي بدأ يعاني منها الغرب، في حين ظلت الصين محافظة على عاداتها كمنتج فني وإنساني، مبيناً مخول أن 12 فناناً عربياً شاركوا في هذا الملتقى، وكان من سورية هو والفنان إحسان صطوف، وقد جال المشاركون في مناطق مختلفة من الصين وزاروا متاحفها ومعابدها، ليشاركوا في الأيام الأخيرة في ورشة عمل تحت عنوان “روح الصين” نتجت عنها لوحات تعبِّر عن تأثر الفنانين المشاركين بما شاهدوه، فكانت حصيلة انطباعاتهم عن هذا البلد الذي يضج بالألوان الساحرة، وقد أنجز مخول ست لوحات قدمها كهدية من سورية لوزارة الثقافة الصينية، معترفاً أنه حمل بعض الألوان التي استخدمها هناك معه إلى سورية وأنجز فيها بعض اللوحات الموجودة في المعرض، وقد شعر من خلالها أنه صار أكثر جرأة ووضوحاً في ألوانه وهو الذي كان يستخدم الألوان بتهذيب وخوف وانضباط أكثر، في حين أنه بات اليوم يمارس الحب مع الألوان بجنون، مستمداً القوة من طفولته التي عاد إليها اليوم والتي تطلق العنان لخيال الفنان بلا حدود ودون تردد، ولذلك يرى مخول أن الطفولة هي مرحلة الإبداع لدى الإنسان، والفنان إذا حافظ على طفولته ونهل منها فإن إبداعه يصبح أجمل، أما إذا تخلى عنها فإنه سيتحول لإنسان جدّي وسيفقد الكثير من إبداعه لأن الإبداع مبنيّ على البراءة والصراحة والصدق، وهذه الأشياء لا يمكن أن يتمتع بها الفنان إلا إذا امتلك مخزوناً كبيراً من طفولته.

أكبر حدث بصريّ

ويأسف مخول لأن الفنانين التشكيليين السوريين لم يلعبوا دوراً حقيقياً في الأزمة لأسباب عديدة، وإقامة معارض فردية أو جماعية لتُباع اللوحة وتُركَن في أحد البيوت لا يصبُّ في دور الفن والثقافة، خاصة في الأزمات، ودور الفن يكمن في إحداث التغيير، ولأجل ذلك وخلال سنوات الحرب اعتكف عن إقامة المعارض الفردية وتوجه مع فريقه “إيقاع الحياة” نحو الشارع لمخاطبة الناس العاديين عبر لوحات جدارية ضخمة، شكَّلت أكبر حدث بصريّ في سورية وشاهدها ما لا يقل عن 15 مليون شخص، مؤكداً أن العمل الفني اليوم يجب أن يذهب إلى الناس لأن الناس لا يركضون وراء الثقافة.
كما ألَّف مخول خلال سنوات الحرب بعضَ كتب التربية الفنية في مناهجنا الدراسية، وبرأيه أن كتبنا المدرسية من أهم الكتب على مستوى العالم على الرغم من الهجوم الكبير عليها، وقد بُنيت على عدة أسس، منها تعريف الطالب على فنانين سوريين وعالميين، وتحريض الذكاء لديه، وهذا برأيه دور الفن الحقيقي، حيث ما عادت الأولوية اليوم من خلال هذه المناهج تعليم الطالب الرسم والخط، بل الأهم تغيير آلية تفكيره وخلق سلوكيات حقيقية والارتقاء بذائقته الفنية لخلق سلوكيات يمارسها الطالب في حياته من خلال بيته ومدرسته وحيّه ووطنه.. من هنا كانت الخطوة الأولى في هذه المناهج وضع لوحات لفنانين تشكيليين سوريين على الأغلفة بهدف التعريف بهم وبنتاجاتهم ليصبح لديهم دافع لأن يصبحوا فنانين وبسلوك حسن، لذلك يستغرب مخول كيف هوجمت، ويأسف لأن إعلامنا تأثر بما كُتِب على صفحات التواصل وانزلق في هجومه ضدها، وهذا برأيه أمر خطير لأن ذلك سيُحدِث خللاً في علاقة الطالب بكتابه وسيصبح غير مقتنع بمنهاجه وستُفقَد الثقة بينهما، وهذا أمر غير مقبول، موضحاً أن الهجوم عليها كان سببه أن الرؤية البصرية في هذه الأغلفة لم تناسب مجتمعنا لأننا بالأساس نفتقد للرؤية البصرية، ونحن ما زلنا غير قادرين على قراءة اللوحة، مبيناً أنه بنى أفكاره فيها بناءً على حاجات طلابنا ومدارسنا بعد أن لمس ضعفاً في حصص الرسم فيها، مؤكداً أنه قدم ما عنده لقناعته بأنه يجب أن لا يتخلى عن دوره ومسؤوليته اتجاه المجتمع، ولذلك كان إصراره على إنجاز منهاج فني غني يغري الطالب بأفكاره وصوره وألوانه ومعلوماته ليتعلم ويتذوق الفن، منوهاً إلى أن كل مشاريعه كالمركز التربوي للفنون ومتحف العلوم والمكتبة التربوية واللوحات الجدارية التي أنجزها والمنهاج تصبُّ في الارتقاء بالإنسان السوري، منوهاً إلى أن كل هذه المشاريع كانت بتشجيع من وزير التربية، وهذا ما لا يعرفه الناس على الرغم من الهجوم الكبير الذي تعرض له، مطالباً التجار والأثرياء بدعم الفن التشكيلي لأن يداً واحدة لا تصفق، ولأن الثقافة الوطنية تتطلب أن يتشارك الجميع في إغنائها وتطويرها لأن الثقافة مشروع وطني بحاجة لدعم مادي، لذلك من واجب هؤلاء دعمه من قبل مؤسسات الدولة التابعين لها كغرفة التجارة والصناعة ووزارة السياحة ليكونوا فاعلين في بناء الإنسان، مبيناً أن سورية الحديثة لا تتوقف عند عملية الإعمار لأن بناء الإنسان بطريقة صحيحة هو الأهم حتى لا نعيش الأزمة مرة أخرى، وهذا –برأيه- مشروع استراتيجي مهم يجب أن تكون له الأولوية من خلال توفير حالة ثقافية ليس بالكلام بل بالفعل وبمساعدة الإعلام الذي  يجب أن يقدم أعمالاً تتبنى أفكار الأدباء والفنانين، واحترام مبدعينا وتسليط الضوء عليهم وتعميم تجاربهم بدلاً من تبني أعمال يتاجَر بها في المحطات الفضائية.

أمكنة للبيع

وعن غياب الصالات الفنية في بداية الحرب، وعودتها مؤخراً للعمل، يبيّن مخول أنه يحترم بعضها مثل المركز الوطني للفنون وصالة ألف نون لصاحبها بديع جحجاح الذي استطاع أن يجمع الفنانين من خلال الحب وقدم أكثر من رسالة عبر الفن التشكيلي، في حين أن بعضها أغلق أبوابه خلال السنوات الماضية، مع إشارته إلى أن بعض هذه الصالات لم يقدم شيئاً للإنسان العادي، وكانت أمكنة للبيع ولم تتعامل مع الفكر الثقافي، والدليل أنها أُغلِقت خلال فترة الحرب لعدم وجود بيع، وهذا دليل على أنها مشاريع تجارية، ومع هذا يرى أن وجودها أفضل من عدمه.
وعن كتابه “مخوليات” يبيّن أنه ليس أديباً أو كاتباً، ولم يطرح نفسه فيه إلا إنساناً محباً للحياة والجمال، لكن الأحداث التي حصلت في وطنه جعلته يصرخ بفطرته، محاولاً أن يحوّل هذا الصراخ والحزن إلى حرف ثم إلى كلمة، ثم جملة مزج فيها الحزن مع الفرح مع اللون وقال كلمته في الحرب وفي الحب، مبيناً أن الفنان جحجاح قام بجمع ما كتبه على صفحة الفيس بوك ضمن كتاب قام بتوقيعه على هامش المعرض تحت عنوان “مخوليات” موضحاً مخول أنه لجأ إلى الكتابة خلال سنوات الحرب وليس للّوحة لأنها كانت الوسيلة الأكثر تعبيراُ وتأثيراً على الناس، خاصة وأن الحرب ولَّدت أزمات كثيرة في مجمعنا كان من الضروري التعبير عنها وعدم السكوت، مركِّزاً فيها مخول على مفرزات الحرب في مجتمعنا، وخاصة أولئك الذين استفادوا من الأزمة وصنعوا لأنفسهم قيمة بفعل المال والقوة.
أمينة عباس