مجلة البعث الأسبوعية

فارس في الظل.. غسان السباعي مزارع يعرف أوان حصاد الألوان!

“البعث الأسبوعية” ــ رامز حاج حسين

أول الغيث.. نظرة

في ربيع عام 1997، وفي الأول من نيسان المزهر، صدر العدد الغالي من مجلة “أسامة”، وكانت لي فيه أولى الخطوات: “مغامرات أبي حمدو” الأثيرة على قلبي، فسابقتُ فراشات البستان، وعبرت بردى بلا قوارب وأحلامي مبللة بشوق المعانقة الأول لعملي البكر.. جلست في غرفة الراحلة دلال حاتم، اتظر احتضان المجلة بعد سيل الملاحظات والتوجيهات، وكان في الغرفة – مقابلاً مكان جلوسي – رجل أشيب اللحية يشبه جد “هايدي” – ويشبه جد كل واحد فينا – يبتسم بود، ويضيف ألقاً فوق ألق من ملاحظات وتوجيهات. الفنان الحفّار، وشيخ كار في فن اللوحة التصويرية، غسان السباعي، قال لي مبتسماً بتواضع غنيّ: أنا أيضاً أحاول الرسم للأطفال، وهذا الغلاف من رسومي (كان الغلاف عبارة عن ملاك من تراب وطين لونه بني، ومزيج من أزرق دافئ يوشح ريش الأجنحة)، وكان يشع في عينيه فرح الدهشة، وكأنه يتلقف مثلي لوحته الأولى! تعلمت منه يومها الكثير، وبقيت أتعلم حتى رحل عنّا – رحمه الله – فقد كان من جميل الصدف أنه أستاذي في كلية الفنون، قسم الحفر والطباعة لمادة التصوير.

أذكر جيداً كيف كان يمسك ورق المشاريع الخاصة بلوحات التصوير. يجلس، ويرسم معنا، نحن طلابه، كأنه واحد منا، يطلق لنا أحصنة الخيال الخاص به، ويحكي لنا حكايات عن الفن وتأسيس المنظومة الفنية في سورية، فقد كان أحد الرواد في مجاله، وكان للوحاته أثرها الخاص وخصوصيتها المميزة في ذائقة المتلقي، وبالأخص تلك اللوحات الموجهة للطفل.

سألته يوماً، في لقاء جمعنا في مجلة “أسامة”، بعد سنوات طوال من تعارفنا الأول، عن سر مسحة الحزن وعمق النظرات في عيون شخوصه المرسومة، فقال لي: نحن معجونون من حزن على فوات كل لحظة لم ندرك أهميتها، ولم نكن قادرين على توظيفها بطريقة أجمل، وقد يكون شعوري الداخلي هذا منعكساً بلا إرادة على وجوه الشخوص التي أرسمها.

كان غسان السباعي متمرداً على كل مفهوم يواجهه عن القبح والشناعة، وكان يقول: لقد انحدر المستوى الفني كثيراً، وبتنا نعدّ الفنانين الذين يتقنون فن التصوير في اللوحة على أصابع اليدين!!

 

فكرة لم تكتمل

كان من المبشرين الأوائل بضرورة قيام معاهد مختصة لتعليم الرسم لقصص الأطفال، فاللوحة الطفولية لها مقومات خاصة رغم أنها ولدت من رحم اللوحة التشكيلية الأم، وكما كان الفنان غسان يقول عنها دائماً: “اللوحة الموجهة للطفل كالعروس الجميلة يفترض بالمشتغلين بها أن ينقدوها مهراً لائقاً، وتقام لها طقوس عرس خصوصية.. لا يجب أ ن نمر عليها مرور الكرام، ولا يجب أن نتعاطى معها على أنها مجرد خطوط تجريدية بسيطة تسطح ذائقة الطفل، وتبعثر رغبته الفطرية في التنور من الوجبة اللونية المقدمة له”.

 

تبني المرحلة

يوم استلمت مقاليد الإشراف الفني في المجلة الأم “أسامة”، دخل المجلة يوماً، وجلس إلى طاولتي وأنا اعمل على رسم بعض اللوحات للمجلة، وراح يناقشني ببعض الأمور المتعلقة بخصوص مهنة المراقبة والنقد للوحات الفنانين، وآلية التحكيم لمقاربتها للنص، ثم ابتسم لي، وقال: كم عمرك؟ فقلت له: أنا من مواليد عام 1976! فضحك وقال: عمر شهادة الدكتوراه الخاصة بي أكبر من عمرك، كل من دخل من هذه الغرفة تركت فيه “أسامة” بصمة، فاعمل على أن تكون بصمتك محبة زملائك!

رحيل مر

الزيارات المتكررة، لاحقاً، لمقر مجلة “أسامة” كانت تفتح، مع إطلالة الفنان غسان السباعي، أبواب حوارات غنية وثرية بمفرداتها.. كان يجود علينا بذكرياته الجميلة عن مراحل التأسيس للمجلة، وعن خطوطه الأولى مع الراحلة دلال حاتم، وكيف كان ذاك المقر الجميل صالونهم الثقافي المميز للاجتماع، والعمل على تطوير ثقافة الطفل، وإغناء مفرداته اللغوية والبصرية، بكل ما يستطيعون من فن وأدب.

غادرنا غسان سباعي وما زال في ريَش فرشاته بعض نبض لم يخفق، وفي مزّاجة ألوانه بصيص لوحة كانت في خاطره.. لا أدري!! ولكن أظن انه سيرسم امرأة تبتسم لفلاح يحمل حفنة من سنابل، وطفل صغير يومئ للشمس أن شموس فن الطفولة الأوائل أبهى من ضيائك.